لم يعد حديث منير القادري بودشيش مجرد “شطحات روحية” أو أدبيات صوفية محصورة داخل جدران الزاوية، بل تحول، عقب تسريب تسجيله الصوتي الأخير، إلى قضية رأي عام ومس مباشر بحرمة المؤسسات الدستورية. فالتسريب الصوتي لم يستعرض فقط نفوذا مفترضا، بل حمل ادعاءات خطيرة تمس المساطر الدستورية للاستوزار والتعيين في المناصب العليا، بل وتطاولت بشكل غير مسبوق على إقحام اللقاء بالملك محمد السادس.
تجارة “الاستوزار” ورسائل الكواليس: تطاول صريح على الفصل 47 من الدستور
ويجزم منير بودشيش في التسريب قائلا: “تعرضوا علي مناصب كبيرة وما بغيتش ناخدها”، قبل أن يتوسع في الحديث عن السياسة والعمل البرلماني والاستوزار. وهي عبارة تسقط هيبة الدولة في الفراغ، فمن هي هذه “الشخصيات الوازنة” التي تملك صلاحية إهداء الحقائب الوزارية والمناصب السامية بعيدا عن الرقابة والمؤسسات؟
وإن ادعاء عرض الاستوزار خارج القنوات الرسمية يعد ضربا صريحا للمسار الديمقراطي والمقتضيات الدستورية، إذ ينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. كما أن التعيين في المناصب العليا يخضع لضوابط ومساطر منظمة قانونا. فهل أصبحت مؤسسات الدولة توزع كـ”هدايا” في الجلسات المغلقة على حد تعبير منير بودشيش؟
التوقيت السياسي والمساس بالمسار الديمقراطي
تزداد الخطورة حين نضع تصريحات بودشيش في سياقها السياسي والدستوري، إذ تأتي هذه الخرجات في وقت يمر فيه المشهد السياسي بتنزيل المخرجات الانتخابية التي أفضت إلى استقبال ملكي خص به الملك فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة المتصدر للمشهد السياسي، لتشكيل الحكومة.
وأمام هذه المعطيات، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه، هل يراد من كلام منير بودشيش الإيحاء بوجود “حكومة ظلية” توازي التعيين والتكليف الملكي الصريح؟ إن ادعاء تلقي عروض استوزار ومناصب عليا خارج هذا المسار الدستوري المكتمل الأركان هو نسف صريح للمفهوم الديمقراطي واستخفاف بالخطاب والتعيين السامي.
ورقة “الأسرار” والتلويح بـ”الوقت المناسب”: ابتزاز أم تستر على خروقات؟
ولم يتوقف التسريب عند حدود ادعاء عرض المناصب، بل تعداه إلى التلويح بامتلاك “أسرار خطيرة” استقاها من جلسات خاصة وعامة مع شخصيات نافذة، معلنا امتناعه عن كشفها حاليا مع التأكيد على التصريح بها في “الوقت المناسب”.
ويضع هذا الأسلوب منير بودشيش أمام طائلتين قانونيتين، فهو إما يوجه رسالة تخويف وابتزاز ضمني تستهدف الضغط على تلك الشخصيات النافذة عبر التلميح بورقة الأسرار، وإما أنه يضع نفسه تحت شبهة التستر المباشر إذا كانت هذه الأسرار تتضمن تجاوزات أو اختلالات تمس الشأن العام أو المال العام، مما يجعل كتمانها والانتظار لـ”الوقت المناسب” شراكة في أفعال تجرمها القوانين وتسائل صاحبها.
أقاويل مقتطعة ونسبة كلام للملك.. تجاوز لخطوط التوقير الدستوري
وتتجاوز خطورة خرجات منير القادري حد السياسة لتصل إلى الاقتراب غير المحسوب من الشأن الملكي، حيث صرح سابقا بلقائه بالملك محمد السادس ونسب إليه كلاما وطلبا محددا يدعي فيه أن الملك طلب منه “المساعدة في بناء المواطنين”.
وإن نسبة تصريحات وأوامر للملك بعيدا عن البلاغات الرسمية لديوان الملكي تعد خرقا لضوابط التوقير والاحترام، إذ ينص الفصل 46 من الدستور على أن “شخص الملك لا تنتهك حرمته، وله واجب التوقير والاحترام”. فبأي حق يقحم منير القادري بودشيش المؤسسة الملكية في خرجاته الإعلامية لإضفاء الشرعية على طموحاته ونفوذه المفترض؟
خلط الدين بالسياسة.. عندما تتحول “الزاوية” إلى مقر لمراكز النفوذ
وتطرح هذه التصريحات إشكالية فاصلة حول أدوار الزوايا بالمغرب. فالطريقة الصوفية مكانها الطبيعي هو التربية والسلوك والتأطير الروحي، لكن منير بودشيش نقل خطابه إلى تفاصيل التوزير، والمجالس البرلمانية، وأسرار السياسة، ومراكز النفوذ. وهذا التداخل الفاضح بين الروحي والسياسي يفرض وضع حد لاستغلال الصفة الدينية لأغراض التموقع وتوجيه الرسائل للدوائر الرسمية.
“من يحمي منير بودشيش؟”.. ضرورة التحريك القضائي
ومع تكرار هذه الخرجات وتعاظم ادعاءات النفوذ، بات الشارع المغربي يتساءل بمرارة حول ما إذا كان منير القادري بودشيش يتمتع بحصانة تجعله فوق المساءلة عند الحديث عن كواليس الدولة ومؤسساتها، وهو ما يضع النيابة العامة والمؤسسات القضائية والرقابية أمام مسؤولية عاجلة لفتح تحقيق قضائي جدي يطال مضمون هذا التسريب.
ويستدعي هذا الوضع التحقيق الفوري مع منير القادري بودشيش لمطالبته بتقديم الأسماء والتفاصيل والجهات التي عرضت عبرها المناصب العليا خارج الدستور، مع الكشف عن طبيعة “الأسرار” التي يحتفظ بها للتحقق مما إذا كانت تنطوي على أفعال مجرمة قانونا، وذلك لإعادة الترتيب لدولة الحق والقانون وإنهاء حالة الغموض والعبث بالصورة المؤسساتية للدولة، وتأكيد أن مناصب المسؤولية لا تباع ولا تهدى في الكواليس المغلقة، بل تنال حصرا عبر المساطر الدستورية والقانونية الصارمة.


