حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

ما تزال حمى “واقعة”  المغرب ضد فرنسا في بوسطن، لم تهدأ ولا انطفأت شرارتها، منذ “الخميس الأسود”. وكأننا أمام نهاية العالم، في حين أن الأمر لا يعدو لعبة “بالون منفوخ”، أبلى فيها اللاعبون المغاربة البلاء الحسن، وكانوا المنتخب الوحيد في المنطقة وفي القارة، الذي تمكن من الوصول إلى ربع النهاية في “المونديال الأمريكي”.

ما وقع ل“أسود الأطلس” كان متوقعا. ولم يفاجىء سوى بعض الرومانسيين الذين يحبون العيش بعيدا عن الواقع ويفترضون أشياء لا توجد سوى في خيالهم، و”حياحين” منصات “فيسبوك” و”تيكتوك” و”إنستغرام” وما جاورها، التي يقتات روادها من “فبركة” الحقائق والضحك على الذقون، مستغلين سذاجة وجهل وأمية العديد من مرتادي الأنترنت.

المنتخب الفرنسي منتخب كبير ومنظم وواحد من المرشحين للكأس ويقوده ثعلب ماكر اسمه ديديي ديشان. ومنتخبنا المغربي بالكاد يتشكل ويجرب ويحاول الانسجام تحت مظلة مدرب تمت الاستعانة بخدماته في الدقيقة 90. والكرة ليست مجرد حظ، بل تكتيك وحسابات وذكاء وثقة كبيرة في النفس. C’est aussi simple que ça.

“أسود الأطلس” لم يكونوا جاهزين للمباراة ضد فرنسا. ووصلوا ربع النهاية منهكين معطوبين. وبدل أن نصفق لهم لهذا الإنجاز الذي لم يسبق أن تحقق، باستثناء “المعجزة” القطرية، قابلناهم بالجحود والنكران وقلة العرفان.

مخطئ جدا من يعتقد أو يقول اليوم إن الخسارة لم تكن مهمة بالنسبة للمغاربة بقدر ما كان الأهم عندهم أن تكون بشرف وقتالية. لا. المغاربة، إلا من رحم ربك، كانوا يمنون النفس بالكأس. وكان سقف طموحاتهم وتوقعاتهم أكبر من الممكن. وزاد في شحنهم بعض الصحافيين و”المؤثرين” الذين شكلوا كتلة ضغط على لاعبين بالكاد يحاولون الانسجام مع بعضهم ومع مدربهم في كأس عالمية “كا تخلع” ومطلوب منهم أن يشرفوا فيها ليس فقط بلدهم، بل أن “يفقعوا” أعين الجيران والحساد المصريين والسنغاليين. ما هذا يا هذا؟! إن دخول أي مسابقة مهما كان نوعها بهذه العقلية لمدعاة للفشل في حد ذاته.

أما المصيبة الكبرى، فاتهام “المغرب” ب”بيع الماتش” والتطبيل لنظرية المؤامرة داخل منصات التواصل التي تبحث عن اللايكات والمشاهدات بأي وسيلة كانت، و”تدويخ الشعب” ودغدغة مشاعره الجياشة وحاجته إلى المزيد من الفرح والأدرينالين، التي لا يجدها إلا في الساحرة المستديرة.

لقد خرجت فرق كبيرة قبل المنتخب المغربي من هذا المونديال دون أن نسمع عن مؤامرة أو بيع للماتشات أو غيرها من التفاهات التي تسيء إلى سمعتنا وتسب ذكاءنا.

علينا أن نتوقف عن هذه الحرب داخل منصات زوكيربرغ مع المصريين ومع غيرهم بسبب “الماتش”. علينا أن نرقى فوق العاطفة وفوق التخلف وفوق العالم الثالث. فنحن نشق طريقنا نحو مستقبل واعد. ليس فقط في الكرة بل في العديد من المجالات. وعلينا أن نبني بالموازاة مع ذلك رأيا عاما واعيا وصحافة قوية ومسؤولة.

شكرا ل”أسود الأطلس” على كل ما قدموه. شكرا للمدرب وهبي على مجهوداته. شكرا للجامعة المغربية لكرة القدم، وعلى رأسها فوزي لقجع، لكل ما وفرته من إمكانيات لبلوغ هذه الإنجازات. شكرا للملك محمد السادس، مهندس ومبدع هذه السياسة الكروية الكبرى. شكرا للجمهور العاقل “الفاهم”. وراه “مبروك علينا” ما وصلنا إليه.. وراه “ما زال ما زال” القادم أجمل.

نورا الفواري