حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تابعت الجمعية المغربية للصحة النفسية والعقلية، بقلق بالغ، ما تم تداوله عبر عدد من المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، وما توصلت به من شكايات وشهادات من مواطنين، إلى جانب مقاطع فيديو، تتحدث عن قيام جهات غير محددة الهوية بترحيل أشخاص من مرتفقي الطب النفسي والعقلي وتركهم في حالة تشرد في العديد من المدن، من بينها تارودانت، وإنزكان، وبرشيد.. بل وحتى بالقرب من الطريق السيار، وفق ما هو متداول.

مطالب بفتح تحقيق مستقل وتحديد المسؤوليات

وإذ تؤكد الجمعية أنها لا تستطيع في هذه المرحلة الجزم بصحة جميع الوقائع المتداولة أو تحديد المسؤوليات، فإنها تعتبر أن مجرد تداول مثل هذه الادعاءات على هذا النطاق الواسع يفرض فتح تحقيق جدي وشفاف، لما تنطوي عليه من مزاعم خطيرة تمس بحقوق الإنسان، وهو ما نعتبره
نتيجة حتمية لفشل منظومة التكفل والرعاية في غياب سياسة عمومية موجهة للصحة العقلية والنفسية،
فإذا ثبتت صحة هذه الوقائع، فإنها تشكل انتهاكا جسيما للحق في الكرامة، والحق في السلامة الجسدية والنفسية، والحق في الحماية والرعاية الصحية، وهي حقوق يكفلها دستور المملكة، كما تكرسها الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

إن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية ليسوا عبئا ينبغي التخلص منه، ولا مشكلة يمكن نقلها من مدينة إلى أخرى، وإنما هم مواطنات ومواطنون لهم حقوق أصيلة، ويستحقون الحماية والعلاج والمواكبة والإدماج.

كما تابعت الجمعية، من خلال عدد من مقاطع الفيديو المتداولة، مشاهد لأشخاص في وضعية اضطراب نفسي أو عقلي وهم يقومون، في بعض الحالات، بتحطيم ممتلكات الغير أو إحداث اضطرابات بالفضاء العام. وإذ تؤكد الجمعية أنهم غير مسؤولين عن هذه الوقائع، كما لا يجوز أن تكون مدخلا إلى وصم جميع الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية أو اختزالهم في مثل هذه السلوكات، فإنها تعتبر، في المقابل، أنها تكشف عن فشل منظومة التكفل والرعاية، وعن غياب التدخل الصحي والاجتماعي في الوقت المناسب. فترك أشخاص يحتاجون إلى العلاج والرعاية في الشارع، دون مواكبة طبية أو اجتماعية، يعرض حياتهم وكرامتهم للخطر، كما قد يؤدي في بعض الحالات إلى تعريض سلامة المواطنين وممتلكاتهم للخطر، وهو ما يفرض على الدولة اعتماد مقاربة وقائية وعلاجية قائمة على احترام حقوق الإنسان، بدل الاكتفاء بنقل الأشخاص من مكان إلى آخر أو التخلي عنهم.

فشل منظومة التكفل والرعاية في الواجهة

إن الجمعية المغربية للصحة النفسية والعقلية تؤكد أن حماية المجتمع لا تتعارض مع حماية حقوق الأشخاص في وضعية اضطراب نفسي أو عقلي، بل إنهما هدفان متكاملان. فكلما توفرت الرعاية الصحية، والتكفل المبكر، والإيواء اللائق، والمواكبة الاجتماعية، انخفضت حالات التشرد، وتراجعت الأوضاع التي قد تشكل خطرا على الأشخاص المعنيين أو على محيطهم. لذلك، فإن الحل لا يكمن في ترحيل هؤلاء الأشخاص أو إبعادهم عن مدينة إلى أخرى، وإنما في ضمان حقهم في العلاج والحماية والإدماج، وفق ما يفرضه الدستور والقانون والالتزامات الدولية للمملكة

إن استمرار مثل هذه الممارسات، إذا ثبت وقوعها، من شأنه أن يسيء إلى صورة المملكة المغربية، التي جعل دستورها من صيانة الكرامة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان من الثوابت الدستورية، كما أنه يتعارض مع الجهود الوطنية المبذولة في مجال تعزيز الحماية الاجتماعية والحق في الصحة.
وانطلاقًا من مسؤوليتها المدنية والحقوقية، فإن الجمعية المغربية للصحة النفسية والعقلية:
• تعبر عن بالغ قلقها إزاء المعطيات المتداولة بشأن ترحيل أشخاص في وضعية اضطراب نفسي أو عقلي.
• تدعو السلطات المختصة إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف لتحديد حقيقة هذه الوقائع وترتيب المسؤوليات القانونية عند الاقتضاء.
• تطالب بضمان احترام كرامة الأشخاص في وضعية اضطراب نفسي أو عقلي، وتمكينهم من الرعاية الصحية والاجتماعية الملائمة، وفق القانون والمعايير الحقوقية.
• تدعو إلى تعزيز خدمات الصحة النفسية والعقلية، وتوفير آليات للتكفل والإدماج، بما يحول دون تحول الشارع إلى فضاء لإيواء أشخاص يحتاجون إلى العلاج.
• تؤكد استعدادها للتعاون مع مختلف المؤسسات الوطنية والهيئات المعنية، من أجل بلورة حلول مستدامة قائمة على احترام حقوق الإنسان.
وفي الختام، تؤكد الجمعية أن كرامة الإنسان حق دستوري وإنساني، لا يجوز المساس به تحت أي ظرف أو مبرر.