تعيش كثير من النساء، في مختلف المجتمعات، تحت تهديد دائم بالعنف الجنسي، سواء داخل الفضاء العام أو داخل الدائرة التي يفترض أن تكون الأكثر أمانا. فالخطر لا يأتي دائما من شخص غريب، بل قد يكون من الزوج أو الأب أو الأخ أو الزميل في العمل أو الدراسة أو حتى الصديق.
وما يجعل هذه الجريمة أكثر قسوة، ليس فعل الاغتصاب في حد ذاته فقط، بل الصمت الذي يليه، والخوف الذي يرافق الضحية من نظرة المجتمع إليها. فالعديد من النساء يفضلن عدم التبليغ عن الاعتداء الذي تعرضن له، لأنهن يدركن أن أصابع الاتهام قد تتجه إليهن بدل الجاني.
تسأل الضحية عن لباسها، وعن مكان وجودها، وعن توقيت خروجها، وعن علاقتها بالمعتدي، وكأنها هي من اختارت أن تُغتصب. وهكذا تتحول الضحية إلى متهمة، بينما يجد المعتدي في ثقافة الصمت والتبرير بيئة تساعده على الإفلات من المحاسبة.
ومؤخرا، أعادت الكوميدية والمؤثرة المغربية لبنى الجوهري فتح هذا الجرح، بعدما خرجت عن صمتها وكشفت لأول مرة تفاصيل مؤلمة من حياتها، متحدثة عن تعرضها للاغتصاب وما خلفه ذلك من آثار نفسية وجسدية لازمتها سنوات طويلة.
لم يكن اعترافها مجرد قصة شخصية، بل كان رسالة قوية إلى آلاف النساء اللواتي يحملن الألم نفسه في صمت، ورسالة إلى المجتمع بأن مشاركة المعاناة ليست ضعفا، بل شجاعة قد تكون بداية طريق التعافي واستعادة الكرامة.
لقد أعادت هذه الشهادة النقاش العمومي حول جريمة الاغتصاب، وكسرت جزءا من حاجز الصمت الذي يحيط بهذا الموضوع. كما ذكرت الجميع بأن الإنصات إلى الضحايا لا يقل أهمية عن معاقبة الجناة، وأن أول خطوة نحو العدالة هي تصديق الضحية واحترام روايتها بدل التشكيك فيها أو محاكمتها أخلاقيا.
المؤلم أن ثقافة الصمت لا تفرض فقط بالخوف، بل أيضا بالخجل الذي زرعه المجتمع في نفوس الضحايا. فكثيرات يعشن سنوات من الاكتئاب، والقلق، واضطرابات ما بعد الصدمة، دون علاج أو دعم، لأنهن يخشين الفضيحة أكثر مما يخشين الألم نفسه. وفي المقابل، يواصل بعض الجناة حياتهم بشكل طبيعي، وكأن شيئا لم يكن. إنها مفارقة قاسية تكشف خللا عميقا في نظرتنا إلى الضحية والجريمة.
والحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن الاغتصاب ليس حادثا فرديا معزولا، بل هو نتيجة منظومة اجتماعية تسمح أحيانا بتبرير العنف أو التخفيف من خطورته. فعندما يطلب من النساء باستمرار أن “يحذرن” و”يصمتن” و”يتجنبن المشاكل”، بدل أن يُربّى الذكور على احترام الجسد والحدود والموافقة، فإننا نكون بصدد إعادة إنتاج المشكلة بدل حلها.
ومن أكثر الأفكار خطورة أن يختزل شرف الأسرة أو المجتمع في صمت الضحية، بينما لا يطرح السؤال نفسه على الجاني. فلا كرامة لمجتمع يخفي الجريمة حفاظا على السمعة، ولا عدالة في مجتمع يخشى كلام الضحية أكثر مما يخشى فعل المغتصب.
إن حماية صورة العائلة أو المؤسسة أو الشخص النافذ لا ينبغي أن تكون أهم من حماية إنسان تعرض لانتهاك جسده وكرامته. إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إرادة جماعية تتجاوز الشعارات. تبدأ من الأسرة، حيث يجب تربية الأطفال على احترام الآخر والمساواة بين الجنسين، وتمر عبر المدرسة من خلال نشر الوعي والتربية على الحقوق والثقافة الجنسية المناسبة لكل مرحلة عمرية، وتستمر عبر الإعلام الذي ينبغي أن يعالج هذه القضايا بمسؤولية، بعيدا عن الإثارة أو لوم الضحية، كما تشمل تشديد تطبيق القانون، وتوفير مراكز للاستماع والمواكبة النفسية والقانونية، وتشجيع النساء على التبليغ في بيئة آمنة تحميهن من الوصم والانتقام.
إن الاغتصاب ليس “قضية نساء” فقط، بل قضية مجتمع بأكمله، لأنه يمس الحق الأساسي في الأمن والكرامة والحرية. والمجتمع الذي يصمت عن معاناة الضحايا يساهم، ولو بشكل غير مباشر، في استمرار الجريمة. قد لا نستطيع منع كل الجرائم، لكننا نستطيع أن نمنع تكرار الصمت. ويمكن أن يبدأ ذلك بالإنصات، ثم بالتصديق، ثم بتحقيق العدالة، وأخيرا ببناء ثقافة تحترم الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
ولعل الجيل القادم، إذا تربى على المساواة والاحترام والمسؤولية، سيكون أكثر وعيا وعقلانية وإنصافا من الأجيال السابقة، وسيكون أكثر قدرة على بناء مجتمع لا تخاف فيه المرأة من السير في الشارع، ولا من الكلام عندما تتعرض للظلم، ولا من أن تلام على جريمة لم ترتكبها.
بقلم: أسامة العثماني (صحافي متدرب)


