دخلت الجزائر مجددا في سباق مع الزمن لاحتواء موجة واسعة من الحرائق التي تضرب منذ أكثر من عشرة أيام عددا كبيرا من ولاياتها الشمالية والشرقية، بعدما ساهمت درجات الحرارة المرتفعة والرياح القوية في تحويل عشرات البؤر الصغيرة إلى حرائق واسعة امتدت بين الغابات والأحراش والحقول الزراعية والبساتين.
ورغم أن السلطات لم تنشر إلى الآن حصيلة رسمية خاصة بالفترة الممتدة من 14 إلى 23 يوليوز، فإن البيانات التراكمية المتوفرة تشير إلى اندلاع أكثر من 1550 حريقا منذ الثامن من الشهر نفسه، بينها 383 حريق غابات، فيما شملت الحرائق الأخرى المحاصيل الزراعية وأشجار الفاكهة وحقول الحبوب وأكوام التبن.
عمليات إخماد متواصلة
وتبرز الإحصائيات اليومية حجم الضغط الذي تعيشه أجهزة الحماية المدنية، إذ أعلنت في إحدى النشرات تسجيل 195 حريقا خلال يوم واحد، تمكنت من إخماد 142 منها، بينما استمرت الجهود لإخماد 53 حريقا آخر.
وفي اليوم الموالي، سجلت 138 بؤرة جديدة موزعة على نحو خمس عشرة ولاية، نجحت فرق التدخل في السيطرة على 107 منها، في حين بقيت 31 بؤرة مشتعلة إلى غاية صباح الخميس، وهو ما يعكس صعوبة السيطرة على الحرائق في ظل اتساع رقعة انتشارها.
وشملت الحرائق ولايات الطارف، وعنابة، وسكيكدة، وجيجل، وبجاية، والبويرة، وتيزي وزو، وسطيف، وميلة، وقسنطينة، وقالمة، وسوق أهراس، والمدية، وتلمسان، إضافة إلى تسجيل بؤر متفرقة في بعض مناطق الغرب والجنوب.
القبائل الأكثر تضررا
وخلفت هذه الموجة، بحسب وزارة الداخلية الجزائرية، ست وفيات، بينما لم تعلن السلطات حصيلة نهائية للمصابين، في وقت تحدثت وسائل إعلام محلية عن إصابات سجلت أثناء عمليات الإجلاء وإخماد الحرائق، خاصة في بجاية وسطيف، بالتزامن مع مباشرة تقييم الخسائر.
وفي عنابة، اضطرت السلطات إلى إجلاء مرضى مستشفى سرايدي، إضافة إلى نزلاء أحد الفنادق وسكان منازل مهددة، بعدما اقتربت ألسنة اللهب من المنطقة، فيما استمرت الحرائق في بوخليفة ببجاية وبني ورثيلان بسطيف وعدة مناطق أخرى.
وتبقى ولاية بجاية الأكثر تضررا، بعدما وصلت النيران إلى مناطق بني معوش وبني جليل وفراون، مهددة قرى جبلية يصعب الوصول إليها. وتشير التقديرات الأولية إلى تضرر أكثر من عشرة منازل، واحتراق ما يزيد على مائة هكتار من البساتين، فضلاً عن نفوق مواش وإتلاف أشجار الزيتون والتين التي يعتمد عليها سكان المنطقة كمورد اقتصادي أساسي.
إمكانات جوية لا تواكب حجم الحرائق
وتعتمد الجزائر في مكافحة الحرائق على طائرتين برمائيتين من طراز “بيريف Be-200” جرى اقتناؤهما في 2023 و2024، ضمن صفقة تشمل أربع طائرات، إلا أن تأخر التصنيع المرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية حال دون تسلم الطائرتين المتبقيتين.
وتستطيع كل طائرة حمل نحو 12 طنا من المياه، غير أن العمليات الأخيرة أظهرت مشاركة طائرة واحدة فقط من هذا الطراز، إلى جانب مروحيات “Mi-26” العسكرية، بينما توفر الحماية المدنية ست طائرات “AT-802″، ثلاث منها مستأجرة، وهي مخصصة للتدخل السريع لكنها أقل قدرة على نقل المياه مقارنة بالطائرات البرمائية.
كما استعانت السلطات بـ80 طائرة مسيرة لرصد البؤر ومراقبة تطور الحرائق، مع توزيع الوسائل الجوية بين عدة قواعد داخل البلاد، غير أن تعدد الحرائق واتساع المسافات الجغرافية قلص من فعالية هذه الإمكانيات.
حرائق تتكرر.. والإصلاح يتأخر
ويثير هذا الواقع انتقادات متزايدة، إذ يرى متابعون أن تكرار الحرائق خلال كل موسم صيفي يقابله بطء في بناء أسطول مدني متخصص قادر على التدخل السريع في عدة ولايات في الوقت نفسه، مع استمرار الاعتماد على الطائرات المستأجرة والدعم العسكري عند تفاقم الوضع.
وتؤكد حصيلة السنوات الأخيرة أن الظاهرة أصبحت تحديا دائما، بعدما أوقعت حرائق 2022 37 قتيلا و183 مصابا، فيما أسفرت حرائق 2023 عن 34 وفاة بينهم عشرة عسكريين، إضافة إلى مئات المصابين وإجلاء نحو 1500 شخص، بينما أتلفت حرائق 2025 نحو 4090 هكتارا من الغابات والبساتين.
وتبرز هذه المؤشرات أن معالجة أزمة الحرائق في الجزائر لم تعد رهينة بالعوامل المناخية وحدها، بل أصبحت مرتبطة أيضا بمدى تطوير منظومة دائمة للإطفاء الجوي والوقاية، قادرة على مجابهة حرائق باتت تتكرر بوتيرة شبه سنوية وتفرض كلفة بشرية وبيئية واقتصادية متصاعدة.


