لم تكن موجة الحرائق والانقطاعات الواسعة للكهرباء التي شهدتها الجزائر خلال شهر يوليوز مجرد تداعيات لموجة حر استثنائية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة الأزمات وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
وبينما تؤكد السلطات باستمرار امتلاك البلاد إمكانات مالية وطاقية كبيرة، أظهرت الوقائع الميدانية وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي ومستوى جاهزية المرافق العمومية، خصوصا في مجالي مكافحة الحرائق وتأمين الشبكة الكهربائية، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول فعالية التخطيط الاستباقي وأولويات الاستثمار العمومي.
حرائق واسعة وإمكانات محدودة
ومنذ بداية موجة الحر في 8 يوليوز وحتى 23 منه، سجلت الجزائر أكثر من 1550 حريقا، بينها مئات حرائق الغابات، فيما أعلنت وزارة الداخلية وفاة ستة أشخاص. وامتدت النيران إلى ولايات بجاية، والبويرة، وتيزي وزو، وسطيف، وعنابة، وسكيكدة، والطارف، وجيجل، وقالمة، وتلمسان وغيرها، بينما أحصت الحماية المدنية في إحدى الحصائل اليومية 195 حريقا خلال 24 ساعة، ما يعكس حجم الضغط الذي واجهته فرق التدخل مع تعدد البؤر المشتعلة في وقت واحد.
ورغم إعلان السلطات تعبئة مختلف الإمكانات، فإن الوسائل الجوية ظلت محدودة مقارنة باتساع رقعة البلاد. فقد اعتمدت الحماية المدنية على ست طائرات من طراز “AT-802″، ثلاث منها مستأجرة، إلى جانب طائرات “BE-200” ومروحيات “MI-26” التابعة للجيش، وهو ما أعاد إلى الواجهة الوعود التي أطلقها الرئيس عبد المجيد تبون منذ صيف 2022 باقتناء طائرات كبيرة لمكافحة الحرائق، قبل أن يجدد في أبريل 2023 تعليماته لشراء ست طائرات متوسطة. غير أن تعثر الصفقات وتغير الموردين وتأخر التسليم أبقى الجزائر معتمدة على استئجار الطائرات والاستعانة بإمكانات الجيش بدل امتلاك أسطول دائم تابع للحماية المدنية.
بين فرضية المؤامرة وأسئلة الوقاية
وأعادت الحرائق الحالية النقاش حول المقاربة الرسمية التي تبنتها السلطات خلال حرائق 2021، حين حملت الرئاسة المسؤولية لحركتي “رشاد” و”الماك”، وربطت الأخيرة بدعم من المغرب وإسرائيل، دون تقديم أدلة علنية تثبت مسؤولية الدولتين. كما تحدث وزير الداخلية آنذاك عن فعل إجرامي متعمد دون الكشف عن معطيات تفصيلية تدعم هذا الطرح.
ورغم أن فرضية الحرائق المتعمدة تبقى واردة في بعض الحالات، فإن التركيز على البعد الأمني لا يلغي، بحسب متابعين، الحاجة إلى معالجة جوانب الوقاية، مثل تنظيف الغابات، وفتح المسالك، وتوفير نقاط المياه، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتقوية وسائل التدخل الجوي.
ويأتي ذلك في ظل حصيلة بشرية ثقيلة خلال السنوات الماضية، بعدما سجلت الجزائر نحو 90 وفاة سنة 2021، و37 قتيلا و183 مصابا سنة 2022، ثم 34 قتيلا، بينهم عشرة عسكريين، سنة 2023، بينما عادت الحرائق هذا الصيف لتضرب ولايات مثل تيزي وزو وبجاية والبويرة، وسط شعور متزايد بالإحباط لدى السكان.
انقطاع الكهرباء يكشف هشاشة الشبكة
وبالتزامن مع الحرائق، واجهت الجزائر أزمة أخرى بعدما أدى عطل تقني في منشأة كهربائية بمنطقة سيدي عقبة بولاية بسكرة، خلال ليلة 14 إلى 15 يوليوز، إلى انقطاع التيار الكهربائي عن 16 ولاية. وأرجعت السلطات السبب إلى الحرارة المرتفعة والرطوبة، غير أن امتداد تأثير عطل واحد إلى هذا العدد من الولايات أثار تساؤلات حول قدرة شبكة النقل على عزل الأعطال ومنع تحولها إلى اضطرابات واسعة.
وتبدو هذه الأزمة أكثر إثارة للانتباه إذا ما قورنت بتصريحات مؤسسة “سونلغاز” التي أعلنت، قبل أقل من شهر، رفع القدرة الإنتاجية بأكثر من 1850 ميغاواط، لتتجاوز القدرة الوطنية 27 ألف ميغاواط، مقابل ذروة طلب متوقعة بين 21 و22 ألف ميغاواط. وهو ما يشير إلى أن الإشكال لا يرتبط بحجم الكهرباء المنتجة، بقدر ما يتعلق بمتانة شبكات النقل والتوزيع وقدرتها على تحمل الضغط المناخي والأعطال المتسلسلة.
تناقض بين طموحات التصدير وواقع الداخل
ويتعزز هذا التناقض بالعودة إلى تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون، الذي أعلن في 22 دجنبر 2022 أن الجزائر تعرض بيع فائض الكهرباء إلى أوروبا عبر مشروع يربطها بإيطاليا، قبل أن يؤكد في 29 دجنبر 2024 امتلاك البلاد فائضا يقدر بنحو 12 ألف ميغاواط، مع تزويد دول مجاورة بالكهرباء ومواصلة مفاوضات التصدير نحو أوروبا.
غير أن انقطاع يوليوز 2026 أبرز أن امتلاك فائض في الإنتاج لا يعني بالضرورة توفير خدمة مستقرة داخل البلاد، إذ يرى متابعون أن الأولوية التقنية ينبغي أن تتركز على تحصين الشبكة الوطنية وضمان استقرارها قبل تحويل فائض الكهرباء إلى ورقة اقتصادية ودبلوماسية.
كلفة اقتصادية وبشرية تتجاوز الأرقام
ولم تقتصر آثار الانقطاعات الكهربائية على تعطيل الحياة اليومية، بل امتدت إلى الأنشطة التجارية والصناعية، وإفساد المنتجات المبردة، والتأثير على توزيع المياه، ورفع المخاطر داخل المؤسسات الصحية بالنسبة للأشخاص الذين يعتمدون على أجهزة كهربائية.
وجاء ذلك بالتزامن مع موجة حر رفعت استهلاك أجهزة التكييف إلى مستويات قياسية، بينما شهدت الجزائر، في 16 يوليوز، حريقا داخل مركز لرعاية الأطفال قرب العاصمة أودى بحياة 11 شخصا وأصاب 19 آخرين، بعدما أرجع التلفزيون الرسمي الحادث إلى شرارة صادرة عن جهاز تكييف ظل يشتغل بشكل متواصل. ورغم عدم وجود رابط مباشر بين الحادث والانقطاع الكبير، فإنه سلط الضوء على هشاشة شروط السلامة الكهربائية خلال فترات الحرارة المرتفعة.
أولويات الإنفاق تحت المجهر
وتتجدد، مع هذه الأزمات، الأسئلة حول ترتيب أولويات الإنفاق العمومي، خاصة بعدما قدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) الإنفاق العسكري الجزائري خلال 2025 بنحو 25.4 مليار دولار، بزيادة 11 في المائة، ليصبح الأعلى إفريقيا ويمثل نحو 25 في المائة من الإنفاق الحكومي، وهي ثاني أعلى نسبة عالميا بعد أوكرانيا.
وفي المحصلة، أظهرت حرائق يوليوز والانقطاعات الكهربائية أن امتلاك الموارد المالية أو فائض إنتاج الطاقة لا يكفي وحده لضمان جاهزية الدولة في مواجهة الأزمات، ما دامت البنيات التحتية وشبكات النقل ووسائل الوقاية لا تزال تواجه تحديات عملية. وهو ما يعيد طرح سؤال الأولويات، بين الاستثمار في القدرات الاستراتيجية الكبرى، وتعزيز المرافق والخدمات التي تمس بشكل مباشر أمن المواطنين وسلامتهم اليومية.


