دخلت العلاقات التونسية الفرنسية مرحلة جديدة من التوتر السياسي والدبلوماسي، بعدما قررت السلطات التونسية استدعاء السفيرة الفرنسية لديها على خلفية تقرير بثته قناة “فرانس 24” تناول الأوضاع السياسية في البلاد، وهو تطور غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين، كشف عن تصاعد منسوب الحساسية الرسمية تجاه الانتقادات الإعلامية الأجنبية، وأعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مستقبل السياسة الخارجية التونسية وحدود تعاملها مع حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام.
ووفق ما أوردته صحيفة “لوبوان” الفرنسية، فإن الأزمة اندلعت عقب بث القناة الفرنسية مقابلة مع أحد أبرز المعارضين المقيمين في الخارج، تخللتها انتقادات حادة للوضع السياسي والاقتصادي في تونس، الأمر الذي دفع وزارة الخارجية التونسية إلى إصدار بيان شديد اللهجة، اتهمت فيه فرنسا بانتهاج أسلوب تدخلي في الشأن الداخلي، كما حملت وسائل إعلام عمومية فرنسية مسؤولية نشر مضامين اعتبرتها مضللة ومسيئة للدولة التونسية ومؤسساتها.
تصعيد غير مسبوق مع باريس
والقرار التونسي باستدعاء السفيرة الفرنسية اعتبره مراقبون خطوة استثنائية في علاقة تجمع البلدين منذ عقود، خاصة أن فرنسا تعد الشريك الاقتصادي الأول لتونس، فضلا عن ارتباط البلدين بعلاقات تاريخية واستثمارات واسعة وتعاون أمني واقتصادي وثيق.
وتؤكد باريس، من جهتها، تمسكها بمبدأ استقلالية المؤسسات الإعلامية عن السلطة التنفيذية، وهو ما يجعل تحميل الدولة الفرنسية مسؤولية ما تبثه قناة إعلامية أمرا يصطدم بطبيعة النظام الديمقراطي الفرنسي، حيث لا تخضع وسائل الإعلام العمومية لتوجيهات مباشرة من الحكومة بشأن مضامينها التحريرية.
خطاب رسمي يقترب من النموذج الجزائري
ونقلت “لوبوان” عن مصدر دبلوماسي فرنسي أن الصياغة التي اعتمدتها الخارجية التونسية في بيانها بدت قريبة بشكل لافت من البيانات الصادرة عن الرئاسة الجزائرية في أزمات مماثلة، سواء من حيث اللغة أو طبيعة الاتهامات الموجهة إلى فرنسا والإعلام الفرنسي.
هذا التقارب في الخطاب يعزز، بحسب عدد من المتابعين، الانطباع بأن تونس أصبحت تتبنى تدريجيا مقاربة دبلوماسية أكثر تشددا، تقوم على تصوير الانتقادات الخارجية باعتبارها تدخلا في السيادة الوطنية، وهو توجه يثير مخاوف بشأن اتساع الهوة بين تونس وشركائها التقليديين في أوروبا.
انتقادات للوضع الداخلي
والمقابلة التي أثارت الأزمة تضمنت انتقادات لاذعة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس، مع الإشارة إلى تفاقم أزمات الخدمات الأساسية، من بينها اضطرابات الكهرباء والمياه، وتزايد الاحتقان الاجتماعي، مع الدعوة إلى تحركات احتجاجية ذات طابع اجتماعي واقتصادي.
كما اعتبرت أن السلطة باتت تميل إلى تحميل خصومها السياسيين مسؤولية الأزمات الداخلية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية التي تواجه البلاد، وسط تراجع مؤشرات الاستثمار والنمو وارتفاع معدلات البطالة.
الإعلام الأجنبي في مرمى السلطة
ويكشف هذا التصعيد عن تحول واضح في علاقة السلطات التونسية بالإعلام الدولي، إذ لم يعد الخلاف يقتصر على مضمون التقارير الصحفية، بل امتد إلى مساءلة الدول التي تنتمي إليها تلك المؤسسات الإعلامية، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود الفصل بين الدولة ووسائل الإعلام في الخطاب الرسمي التونسي.
ويرى متابعون أن اللجوء إلى التصعيد الدبلوماسي في مواجهة تقارير إعلامية قد يحقق مكاسب سياسية ظرفية على المستوى الداخلي، لكنه يحمل في المقابل مخاطر تتعلق بصورة تونس لدى المستثمرين والشركاء الدوليين، خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية التي تحتاج إلى توسيع دوائر الثقة والانفتاح وليس إلى مزيد من التوتر.
تونس بين خطاب السيادة ومتطلبات الشراكات الدولية
ومنذ سنوات، شهدت السياسة الخارجية التونسية تحولا تدريجيا في تموقعها الإقليمي، حيث اقتربت بشكل واضح من المواقف الجزائرية في عدد من الملفات، من بينها قضية الصحراء المغربية، كما عززت تعاونها مع روسيا والصين وإيران، بالتوازي مع تنامي اعتمادها على الجزائر في قطاع الطاقة.
ورغم أن لكل دولة الحق في رسم خياراتها الدبلوماسية بما يخدم مصالحها الوطنية، فإن هذا التحول يطرح تساؤلات حول كلفة الابتعاد عن الشركاء الأوروبيين التقليديين، وفي مقدمتهم فرنسا، التي تظل أحد أهم المستثمرين والداعمين للاقتصاد التونسي.
ويحذر محللون من أن تحويل الخلافات الإعلامية إلى أزمات دبلوماسية قد يعكس توجها سياسيا يقوم على إدارة الضغوط الداخلية عبر صناعة مواجهات خارجية، وهو خيار قد يحقق تعبئة سياسية مؤقتة، لكنه لا يقدم حلولا للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد، ولا يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين أو تحسين موقع تونس داخل محيطها الإقليمي والدولي.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو العلاقات التونسية الفرنسية مقبلة على مرحلة دقيقة، عنوانها تزايد التوتر السياسي مقابل استمرار المصالح الاقتصادية المشتركة، ما يجعل مستقبل هذه الأزمة رهينا بقدرة الطرفين على الفصل بين الخلافات السياسية ومتطلبات الشراكة الاستراتيجية التي ظلت لعقود إحدى ركائز الاستقرار في الضفة الجنوبية للمتوسط.


