حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في ظل الصراع المحتدم  بين الحزبين “الأزرقين”، والذي أخذ مسار التلاسن والابتزاز والوعيد بلغة جديدة بعيدة جدا عن الخطاب السياسي المسؤول وأقرب الى معجم “العصابات”، وهو وضع يعكس بشكل عام الحالة المؤسفة للحياة السياسية وبؤس المشهد الحزبي في بلدنا.. أمام هذا يكبر طموح  عبد الإله بنكيران ورفاقه وهو يرقب بنظرات شامتة صراع ثيران الأغلبية التي نكلت بحزبه في انتخابات 2021 التي تكبد فيها  هزيمة قاسية هزت أركان الحزب وفرضت عودة شيخه من “تقاعده” الشهير إلى الخدمة مجددا لاستجماع همم الإخوان، عسى أن يستعيد القنديل توهجه مرة أخرى! لكن ما الذي سيحد من سقف طموح البيجيدي في الانتخابات المقبلة؟ وهل كانت النتائج المخيبة لمحطة 2021 مجرد كبوة، أم هي النهاية الحتمية لحزب خذل الطبقة الوسطى التي شكلت القاعدة الخلفية للحزب وقلبه النابض؟

يبدو أن حزب العدالة والتنمية لم يدرك بعد أن ما أصابه لم يكن كبوة عابرة، بل انهيارا طبيعيا لنموذج حزب استنفذ رصيده التاريخي والأخلاقي، خاصة بعد بروز التناقض بين خطابه التعبوي وممارسته التدبيرية. لم تكن تلك النهاية صدفة فجائية، بل كانت نتيجة منطقية لخيارات لا شعبية بصم عليها الحزب طيلة عقد من التدبير الحكومي، تفنن خلاله في ضرب الأمان الاجتماعي للمغاربة وتفكيك مؤسساته بمبررات تدبير التوازنات الماكرو اقتصادية، وتوجيه الإنفاق العمومي وفق شروط و إملاءات المؤسسات المالية المانحة. بدأت بإلغاء صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات لترتفع بدون رادع أو مواكبة ضابطة، مما تسبب في غلاء المعيشة بشكل عام  ومهد لبروز ظاهرة “الفراقشية”، التي سقط المواطن المغربي فريسة لها في مختلف القطاعات، وفي السلع والخدمات.

تجربة استهدفت العمود الفقري للمجتمع

لكن الضربة الموجعة الحقيقية لم تكن اقتصادية فحسب، بل “تخصصت” فيها التجربة الحكومية بشكل يثير الإستغراب في استهداف العمود الفقري للمجتمع، والمتمثل في الطبقة الوسطى. استهداف وصل إلى مستوى الإستعداء السيكولوجي من طرف عبد الإله بنكيران، تجلى ذلك في إطلاق النعوت المسيئة للموظفين من خلال وصفهم ب “الگراد”، مرورا بفرض إصلاحات مجحفة على أنظمة التقاعد هزت شعور الأمان الوظيفي، وصولا إلى إرساء صيغة “التعاقد” المشؤومة في قطاع التعليم لضرب الاستقرار الاجتماعي، حيث بدت فيه سياسة الحزب على رأس الحكومة وكأنها تعلن الحرب على حاضنتها الشعبية.

والملفت بالمناسبة، أن زعيم الحزب يلجأ كل مرة بأساليبه الشعبوية الماكرة إلى تغذية مشاعر الحقد الاجتماعي المبطن لفئة من المجتمع وإذكاء الصراع أفقيا عوض توجيهه نحو قبلته الحقيقية. وما زال هذا الإصرار من طرفه مستمرا وهو يخرج  مجددا ليعبر عن امتعاضه وتنديده برفع حكومة أخنوش لأجور الموظفين إثر الاحتجاجات العارمة في قطاعي التعليم والصحة .. في مفارقة تكشف عن رغبة دفينة في معاقبة الشغيلة لمجرد حصولها على حد أدنى  من الإنصاف الذي كان في الحقيقة استجابة علاجية ضرورية للإنعكاسات السيئة لسياسته التي رفعت معدلات التضخم لمستويات قياسية..

وبينما تراهن قيادة “البيجيدي” اليوم على حالة الفراغ السياسي واهتزاز مصداقية المشهد الحزبي للعودة إلى الواجهة، يقف هذا الماضي المؤسف لتجربتهم كحاجز منيع أمام أي طموح مستقبلي ذا شأن. إن الذاكرة الجماعية للطبقة الوسطى والطبقات الهشة أيضا لا يمكن أن تنسى من استهدف جيوبها تحت مبرر “الإصلاح”. ورغم أن المشهد السياسي يعاني من فراغ كبير وأزمة ثقة أكبر، فإن البديل لن يكون أبدا باستعادة تجربة تدبير قاسية لم تكن  تتردد في استهداف الاستقرار المادي للمستضعفين، في حين تقف عاجزة عن مواجهة “الحيتان” و”الديناصورات “أو المساس بمصالحها.

بقلم: عمر باولعيد (رجل تعليم)