حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

خرجت القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي بلواندا، التي انعقدت يومي 29 و30 غشت، بخلاصات تعكس تحولا في طريقة مقاربة النزاعات بالقارة، إذ انتقلت من التركيز على التدخل بعد انفجار الأزمات إلى إعطاء الأولوية للوقاية المبكرة، وتعزيز الأدوات القائمة، وربط الاستقرار بالتنمية والقدرة على معالجة جذور التوتر قبل تحوله إلى صراع مفتوح.

وتلتقي هذه المقاربة إلى حد كبير مع الرؤية التي يدافع عنها المغرب داخل الاتحاد الإفريقي، والمبنية على أن الوقاية لا تحتاج إلى مزيد من المؤسسات بقدر ما تحتاج إلى تحسين فعالية الآليات القائمة، وضمان تنسيقها واستدامة تمويلها وربطها بشكل مباشر بالتنمية والأمن البشري.

لواندا تبتعد عن منطق “المزيد من الهياكل”

وأعادت القمة ترتيب أولويات المنظومة الإفريقية للسلم والأمن، إذ ركزت على تطوير فعالية آليات الوساطة والإنذار المبكر وإدارة النزاعات الموجودة بالفعل، بدل الدخول في مسار جديد لإحداث مؤسسات وهياكل إضافية.

ويعكس هذا التوجه قناعة بأن تعدد الأجهزة لا يضمن بالضرورة تحسين الاستجابة، بينما يظل التحدي الحقيقي هو رفع سرعة التدخل وتبادل المعلومات وتحسين التنسيق بين المؤسسات، بما يسمح باستباق الأزمات في مراحلها الأولى.

ومن هذا المنطلق، جرى تقديم الوقاية باعتبارها استثمارا أقل كلفة من التعامل مع نزاعات مفتوحة، سواء على مستوى الأرواح البشرية أو الإنفاق المالي أو الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي ترافق الحروب والأزمات الطويلة.

المغرب يدفع بمقاربة تتجاوز الأمن

وحرص المغرب خلال القمة على التأكيد أن الوقاية من النزاعات لا يمكن حصرها في المقاربات الأمنية أو العسكرية أو المؤسساتية، لأن جذور الأزمات داخل القارة غالبا ما ترتبط كذلك بالفقر والهشاشة وضعف فرص الشغل والتغيرات المناخية وندرة المياه والغذاء وضعف البنيات التحتية.

ومن هنا، جاءت الدعوة المغربية إلى تعزيز الاستثمار في التنمية البشرية، وخلق آفاق اقتصادية للشباب، وتقوية الأمن الغذائي والمائي، وتطوير الربط والبنيات التحتية، ودعم قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات والأزمات.

وتتوافق هذه الرؤية مع المقاربة التي سبق للمملكة أن دفعت بها من خلال “مسلسل طنجة”، والتي تقوم على الربط بين السلم والأمن والتنمية بدل التعامل مع كل ملف بصورة منفصلة.

ويعني هذا التحول أن الإنفاق على التنمية والبنيات والخدمات الاجتماعية لا ينظر إليه فقط باعتباره سياسة اقتصادية، بل كذلك كجزء من منظومة الوقاية من النزاعات وترسيخ الاستقرار.

الرباط تتمسك بانسجام الاتحاد الإفريقي مع الأمم المتحدة

وبرز خلال قمة لواندا ملف العلاقة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة كأحد المحاور الأساسية، حيث تم التأكيد على المسؤولية الرئيسية لمجلس الأمن الدولي عن حفظ السلم والأمن الدوليين.

ويتقاطع هذا الموقف مع ما دافع عنه المغرب، الذي شدد على ضرورة الحفاظ على انسجام مؤسساتي واضح بين المنظومة الإفريقية والمنظومة الأممية، وعدم خلق مسارات متوازية أو اختصاصات متداخلة من شأنها إرباك عمليات التسوية.

وتعتبر الرباط أن احترام الاختصاصات لا يضعف دور الاتحاد الإفريقي، بل يمنحه وضوحا أكبر ويجنب القارة تضارب المبادرات والمسارات الدبلوماسية، بما يسمح بتركيز الجهود على التكامل عوض التنافس بين المؤسسات.

وبهذا التصور، يمكن للاتحاد الإفريقي تطوير أدواته الخاصة للوقاية والوساطة، مع الحفاظ على الإطار الدولي الذي يحدد مسؤوليات مجلس الأمن في قضايا السلم والأمن الدوليين.

خطة لواندا أمام اختبار التمويل

وإلى جانب الأبعاد السياسية والمؤسساتية، وضع المغرب مسألة التمويل ضمن النقاط الأساسية لتنفيذ نتائج القمة، مؤكدا أن أي خطة لا يمكن أن تتحول إلى واقع إذا لم تستند إلى موارد مالية مستقرة وأولويات واضحة.

ودعت المملكة إلى تجنب الازدواجية المؤسساتية، وتقييم الأثر المالي لأي أنشطة جديدة، وربط تنفيذ “خطة عمل لواندا” بإمكانات حقيقية تسمح باستدامتها وعدم تحولها إلى مجرد وثيقة سياسية دون أدوات تنفيذ.

ويمتد مفهوم التمويل هنا ليشمل، إلى جانب عمليات حفظ السلام، الوساطة والإنذار المبكر والدبلوماسية الوقائية وإعادة الإعمار، فضلا عن الاستثمارات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي تمنع ظهور أسباب النزاعات من الأساس.

ومن أبرز التحولات التي تراهن عليها هذه المقاربة الانتقال من منطق “تمويل الأزمة” بعد وقوعها إلى منطق “تمويل الوقاية”، أي توجيه موارد أكبر إلى الإجراءات التي تمنع تحول التوتر إلى نزاع.

إفريقيا مطالبة بتمويل أولوياتها

كما دعا المغرب إلى تعزيز قدرة القارة تدريجيا على تمويل أولوياتها في مجالات السلم والأمن والتنمية، بالتوازي مع الحفاظ على شراكات دولية قوية ومتوازنة يمكن الاعتماد عليها على المدى الطويل.

وتشكل هذه النقطة جزءا من تصور أوسع يقوم على بناء استقلالية إفريقية أكبر في تحديد الأولويات وتنفيذها، دون الانغلاق عن التعاون الدولي أو الاستغناء عن الشراكات الخارجية.

وفي المحصلة، تعكس نتائج قمة لواندا تقاربا واضحا مع المبادئ التي يطرحها المغرب داخل الاتحاد الإفريقي: الوقاية أولا، والتنمية جزء من الأمن، والآليات القائمة تحتاج إلى الفعالية لا إلى المزيد من الهياكل، والتمويل المستدام شرط للتنفيذ، مع احترام مسؤولية مجلس الأمن الدولي.

وتنسجم هذه الرؤية مع السياسة الإفريقية التي يدعو إليها الملك محمد السادس، والقائمة على التعاون جنوب-جنوب والتنمية البشرية والتضامن والازدهار المشترك، باعتبارها عناصر لا تنفصل عن تحقيق الاستقرار والسلام طويل الأمد داخل القارة.