حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

يشهد المشهد القانوني والقضائي بالمملكة المغربية، حالة من الاحتقان غير المسبوق، إثر صدور مقتضيات القانون رقم 66.23، وما تلاه من قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب بالتوقف الشامل عن العمل. لقد أفرزت هذه الوضعية شللاً تاماً في مرافق العدالة، مما ألحق أضراراً بليغة ومتزايدة بحقوق المتقاضين وبمختلف الأطراف المتدخلة في منظومة العدالة.

وبما أن الأمر يتعلق بقانون استنفد مساطره التشريعية واكتسب طابعه الإلزامي، وليس مجرد “مشروع قانون” قيد المناقشة، فإن آليات الحوار الكلاسيكية داخل قبة البرلمان تعتبر قد استنفدت أغراضها. وأمام وصول العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من جهة، والهيئات المهنية من جهة أخرى، إلى نفق مسدود، تبرز الحاجة الملحة إلى إيجاد مخارج دستورية استثنائية.

يطرح هذا المقال خيار “التحكيم الملكي” كآلية دستورية حتمية لتجاوز هذه الأزمة، مسلطاً الضوء على أبعاده الفلسفية، وتأصيله الدستوري، ومحطاته التاريخية، وصولاً إلى أثره العملي.

التأصيل الدستوري للتحكيم الملكي والتمييز بينه وبين الوساطة

يستند مقترح اللجوء إلى المؤسسة الملكية لحل هذه الأزمةإلى منطوق الفصل 42 من دستور المملكة، الذي يكرس جلالة الملك كـ “رئيس للدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها”.

إن هذا الدور التحكيمي يتجاوز بكثير مفهوم “الوساطة” الكلاسيكية؛ فالوساطة في العرف السياسي قد تعتريها نواقص تتعلق بغياب الإلزامية أو ضعف الموثوقية لدى الأطراف المتنازعة، وهو ما يتقاطع مع المقولة المأثورة التي تعتبر أن “الوسطاء بين الناس غير أمناء”. في المقابل، يمثل التحكيم الملكي حكماً أسمى ينبني على سلطة معنوية ودستورية عليا. هذا الناموس يضع المؤسسة الملكية في موقع الضامن لاستقرار النظم الدستورية والمهنية، وحامي التوازن بين حقوق الدولة وحقوق الهيئات المستقلة.

الفلسفة الدستورية للتحكيم الملكي.. كبح “استبداد الأغلبية” وحماية الأقليات

من منظور الفلسفة الدستورية المقارنة، يقدم التحكيم الملكي إجابة مؤسساتية وعميقة لإشكالية كبرى تؤرق جلال أنظمةالديمقراطية، وتتمثل في معضلة “طغيان أو استبداد الأغلبية” (Tyranny of the majority). ففي النظم الديمقراطية التمثيلية، قد تعمد الأغلبية الحكومية والبرلمانية—مستندة إلى تفوقها العددي—إلى تمرير تشريعات وقوانين تفرض رؤيتها الأحادية وتتجاهل مصالح وحقوق “أقلية مهنية” وازنة، دون اكتراث لتبعات ذلك على المصلحة العامة.

هنا تتجلى القيمة المضافة للتحكيم الملكي؛ إذ يتدخل الملك كحكم أسمى، متجرداً من الحسابات الانتخابوية، ليوفر الحماية لهذه الفئة (هيئة الدفاع) من أي تعسف تشريعي.

إن هذا التدخل يكرس مبدأً جوهرياً مفاده أن الديمقراطية الدستورية الحقة ليست مجرد احتكام لقوة الأرقام، بل هي التزام حازم بصيانة التوازنات الكبرى واستقلالية المهن التي تشكل دعامة لدولة الحق والقانون.

السوابق التاريخية للتحكيم الملكي: مدونة الأسرة كنموذج مرجعي

لا يعد اللجوء إلى التحكيم الملكي بدعة دستورية في التاريخ المؤسساتي المغربي، بل هو ممارسة سيادية أثبتت نجاعتها في نزع فتيل الأزمات الكبرى. وتعتبر محطة إصدار “مدونة الأسرة” سنة 2004 النموذج الأبرز في هذا السياق.

ففي مطلع الألفية، شهد المجتمع المغربي استقطاباً حاداً حول “خطة إدماج المرأة في التنمية”. وأمام عجز المؤسسات عن إيجاد مخرج توافقي، تدخل جلالة الملك استناداً إلى سلطته التحكيمية. تمثل هذا التدخل في سحب الملف من دائرة التجاذب الحزبي الضيق، وتشكيل لجنة استشارية ملكية اشتغلت وفق توجيهات سيادية، مما أفرز نصاً توافقياً حظي بإجماع الأمة.

وهو القياس ذاته الذي يمكن سحبه اليوم على أزمة المحامين، فالمؤسسة الملكية تتدخل دائماً في اللحظات المفصلية لإنقاذ السلم الاجتماعي حينما تستنفد القنوات العادية حلولها.

حدود التحكيم الملكي ومبدأ فصل السلطات

يثار في النقاش القانوني تساؤل مشروع حول مدى تعارض التحكيم الملكي مع مبدأ فصل السلطات، خاصة وأن النص موضوع الخلاف قد أصبح قانوناً قائماً. من الناحية الدستورية، فإن تدخل المؤسسة الملكية كحكم لإنهاء أزمة المحامين لا يصادر اختصاص السلطة التشريعية في سن القوانين.

إن التحكيم هنا يتخذ طابعاً توجيهياً؛ فهو يهدف إلى فك العزلة المؤسساتية وإعادة الأطراف إلى طاولة التوافق ضمن الأطر الدستورية لإنتاج “قانون تعديلي” يصحح الاختلالات. المؤسسة الملكية تتدخل لضمان “استمرارية مؤسسات الدولة” وتفادي انهيار المرفق العام، تاركة للبرلمان صلاحية الصياغة التقنية للبنود المعدلة. وبذلك، يُحفظ للبرلمان استقلاليته التشريعية، وتُصان للمحامين استقلاليتهم المهنية.

الأثر العملي والثقة المجتمعية: قبول ملتمس التحكيم ينهي الأزمة

من الناحية البراغماتية، يمتلك خيار التحكيم الملكي قدرة فورية على نزع فتيل الأزمة. وتجدر الإشارة هنا إلى معطى سوسيولوجي وسياسي حاسم، يتمثل في أن المغاربة، بمختلف توجهاتهم، يضعون ثقة تامة ومطلقة في المؤسسة الملكية وفي حكمتها المتبصرة.

وبناءً على هذا الرصيد الاستثنائي من الثقة، فإن أي قرار ستتخذه هذه المؤسسة سيكون محط إجماع ترحيبي. بل إن مجرد قبول المؤسسة الملكية لملتمس التحكيم “شكلاً”، سيزكي بشكل تلقائي وفوري رجوع المحامين إلى ردهات المحاكم، تعبيراً عن انخراطهم في هذا المسار السيادي واستجابة لنداء العقل.

مؤسساتياً، سيشكل هذا القبول الشكلي إيذاناً ببدء مرحلة انفراج حقيقي، يُترجم عملياً عبر إصدار بيانات توافقية مشتركة بين جمعية هيئات المحامين والبرلمان والحكومة. هذا المخرج المشرف سيوفر الأرضية الصلبة لتعليق الإضراب النهائي، والعودة الفورية لاستئناف الدفاع عن حقوق المتقاضين. إنه انتصار لمنطق الدولة وتكريس لاستمرارية المرفق العام.

إن استمرار أزمةالقانون رقم 66.23 يشكل استنزافاً خطيراً لمنظومة العدالة بالمغرب. وفي ظل تجاوز النص لمرحلة المشروع ليصبح قانوناً، ومع تغول الأغلبية البرلمانية وعجز الآليات الكلاسيكية عن إيجاد حل توافقي، يظل التحكيم الملكي، المستند إلى الفصل 42 من الدستور والمعزز بثقة المغاربة المطلقة، المخرج الأكثر نجاعة ورصانة. إن هذا التحكيم يشكل درعاً واقياً يضمن التوازن، مؤكداً على سمو المؤسسة الملكية كضامن للاستقرار والأمن القضائي بالمملكة.

مراجع:

دستور المملكة المغربية لسنة 2011: وتحديداً الفصل (42) الذي يكرس صفة جلالة الملك كـ”حكم أسمى بين مؤسسات الدولة”، والفصل (1) الذي يؤسس للنظام الدستوري على مبدأ “فصل السلط، وتوازنها وتعاونها.
الخطاب الملكي السامي ليوم 10 أكتوبر 2003: الموجه لأعضاء غرفتي البرلمان، والذي شكل لحظة التحكيم التاريخية لإنهاء الانقسام المجتمعي حول “خطة إدماج المرأة”، والذي توج بإصدار “مدونة الأسرة”.
الرسالة الملكية الموجهة لرئيس الحكومة (شتنبر 2023): المتعلقة بإعادة النظر في مدونة الأسرة، كدليل مستمر على نجاعة التوجيه السيادي في تدبير الملفات الخلافية الكبرى.

ألكسيس دو توكفيل (Alexis de Tocqueville): مؤلف “الديمقراطية في أمريكا” (De la démocratie en Amérique)، كمرجع أساسي في الفلسفة السياسية لنحت مفهوم “استبداد/طغيان الأغلبية” (Tyrannie de la majorité).
جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill): مؤلف كتاب “عن الحرية” (On Liberty)،..

بقلم: الأستاذ محمد بن دقاق

(محام بهيئة الدار البيضاء، DESA En droit des affaires)