يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2027 نقاشا جديدا حول السياسة التي تعتمدها الحكومة لضبط أسعار اللحوم في الأسواق المغربية، بعدما اتجهت إلى إقرار إعفاء دائم لواردات المواشي واللحوم من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، دون تحديد سقف للكميات المستوردة أو تقديم تقدير معلن لحجم الإيرادات التي قد تفقدها الخزينة العامة نتيجة هذا الامتياز.
ويعكس المقترح انتقالا من معالجة ظرفية لأزمة تموين السوق، فرضتها سنوات الجفاف وتراجع القطيع الوطني وارتفاع تكاليف الأعلاف، إلى اعتماد إعفاء جبائي مفتوح زمنيا، يستفيد منه المستوردون ضمن الفئات المشمولة بالقانون. ويطرح هذا التحول تساؤلات حول جدوى استمرار الإعفاء دون ربطه بمؤشرات قابلة للقياس، خصوصا ما يتعلق بأسعار البيع للمستهلكين وحجم الواردات وتأثيرها على الإنتاج المحلي.
ويشمل الإجراء المقترح الأبقار والأغنام والماعز والإبل الحية، فضلا عن لحومها وأحشائها الطازجة والمبردة والمجمدة، في إطار توجه حكومي يهدف إلى تقليص تكلفة الاستيراد وتوفير العرض داخل الأسواق الوطنية. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطا بكيفية اشتغال سلاسل التوزيع ومستوى المنافسة، وليس بالإعفاء الضريبي وحده.
من 300 ألف رأس إلى إعفاء بلا سقف معلن
وكانت الحكومة قد اعتمدت خلال سنة 2026 إعفاءات محددة شملت 300 ألف رأس من الأبقار و10 آلاف رأس من الإبل، قبل أن تقرر تعليق رسوم استيراد أصناف إضافية من المواشي واللحوم بموجب مرسوم صدر في 23 يوليوز، على أن ينتهي العمل به في 31 دجنبر 2026.
وكشفت وزارة الفلاحة، في 23 أكتوبر، عن بلوغ سقف 300 ألف رأس من الأبقار المستوردة أو المشمولة بالتدابير المعمول بها، بمشاركة 37 شركة، مع استحواذ البرازيل على أكثر من 90 في المائة من الواردات المعنية. وتبرز هذه المعطيات حجم الاعتماد على السوق الخارجية في تلبية جزء من الحاجيات الوطنية، كما تثير مسألة توزيع الاستفادة من الإعفاءات بين الفاعلين الاقتصاديين.
وفي حال اعتماد الصيغة المقترحة في قانون المالية، ستنتقل الحكومة إلى نظام لا يحدد سقفا كميا عاما للواردات المستفيدة ضمن المقتضيات المعروضة، وهو ما قد يوسع حجم الاستيراد، لكنه يفرض في المقابل الحاجة إلى تتبع تطور السوق حتى لا يتحول الإجراء المؤقت الذي فرضته الأزمة إلى اعتماد طويل الأمد على التموين الخارجي دون تقييم دوري لنتائجه.
الخزينة تتنازل عن الضرائب دون كشف الكلفة
وتتمثل إحدى الإشكاليات الرئيسية في غياب تقدير معلن للكلفة الجبائية للإعفاءات الجديدة، رغم أنها تشمل مجموعة واسعة من المنتجات الحيوانية وتستهدف الاستمرار دون أجل محدد. فالإعفاء لا يمثل تحويلا ماليا مباشرا إلى الشركات، لكنه يعني التخلي عن موارد ضريبية وجمركية محتملة، وهو ما يستدعي توضيح أثره على المداخيل العمومية.
ولا يمكن تحديد قيمة هذه الموارد بصورة دقيقة دون معرفة حجم الواردات المتوقع وقيمتها والمعدلات التي كانت ستطبق عليها في غياب الإعفاء، إلى جانب تأثير التدبير على حجم الاستيراد نفسه. ولذلك فإن تقديم تقديرات رسمية، ولو في شكل سيناريوهات مالية، من شأنه أن يساعد على تقييم التوازن بين الكلفة الجبائية والمكاسب الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة.
ويزداد هذا السؤال أهمية مع تحول الإعفاء إلى قاعدة دائمة، إذ يصبح من الضروري تحديد المؤشرات التي ستعتمدها الحكومة لقياس نجاحه، وما إذا كان سيخضع لمراجعة دورية بناء على تطور أسعار اللحوم وأوضاع القطيع الوطني وحاجيات السوق.
المستورد يستفيد مباشرة والمستهلك ينتظر أثر القرار
وتستند الحكومة في تبرير إعفاء الواردات إلى الحاجة لتخفيف الضغط على أسعار اللحوم، بعدما تأثر الإنتاج الوطني بالجفاف وارتفاع تكلفة الأعلاف وتراجع أعداد الماشية. ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لتقليص الأعباء الضريبية أن يخفض تكلفة وصول المنتجات المستوردة إلى السوق، غير أن مقدار استفادة المستهلك النهائي يتوقف على عوامل إضافية.
فتعدد الوسطاء وتكاليف النقل والتخزين والتوزيع، فضلا عن مستويات المنافسة وهوامش الربح، كلها عناصر تحدد السعر الذي يؤديه المواطن عند الشراء. وبالتالي، فإن الحكم على فعالية الإعفاء يتطلب مقارنة تطور الأسعار قبل تطبيقه وبعده، ومراقبة الفارق بين تكلفة الاستيراد وأسعار البيع بالجملة والتقسيط.
كما يطرح استمرار الإعفاءات سؤالا بشأن مستقبل مربي الماشية المحليين، خصوصا أن إعادة تكوين القطيع الوطني تحتاج إلى استثمارات ووقت وظروف إنتاج ملائمة. وقد يؤدي توسع الواردات إلى تخفيف الضغط على الأسعار، لكنه قد يزيد أيضا المنافسة أمام المنتجين المغاربة، ما يستدعي سياسة متوازنة تجمع بين تأمين حاجيات المستهلك ودعم استدامة الإنتاج الوطني.
وفي المحصلة، لا يتعلق النقاش بضرورة الاستيراد في حد ذاتها، بقدر ما يرتبط بشروط الاستفادة من الإعفاءات وشفافية كلفتها ونتائجها. فنجاح السياسة الحكومية لن يقاس فقط بعدد رؤوس الماشية التي تدخل البلاد أو بحجم اللحوم المستوردة، وإنما بقدرتها على تحقيق انخفاض ملموس ومستدام في الأسعار، مع المحافظة على التوازنات المالية وعدم إضعاف قدرة الفلاحة الوطنية على استعادة إنتاجها.


