يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2027 الباب أمام تحسن تدريجي في الأجور الصافية لفئات من الموظفين والأجراء بالمغرب، من خلال مراجعة الضريبة على الدخل وتخفيف الاقتطاعات المطبقة على الرواتب، غير أن المكاسب المرتقبة لن توزع بالتساوي بين العاملين، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلثيهم سيبقون خارج دائرة الاستفادة المباشرة، مقابل زيادات قد تصل إلى آلاف الدراهم شهريا لدى بعض أصحاب الدخول المرتفعة.
ويقوم الإصلاح الجبائي المقترح على رفع سقف الإعفاء السنوي من الضريبة على الدخل إلى 40 ألف درهم، وزيادة نسبة المصاريف المهنية القابلة للخصم إلى 45 في المائة بدل 25 في المائة بالنسبة إلى الدخول التي لا تتجاوز 78 ألف درهم سنويا، مع اعتماد نسبة 35 في المائة للدخول الأعلى، إلى جانب إعادة ترتيب الشرائح الضريبية وخفض أسعارها تدريجيا في أفق سنة 2031.
وبحسب المعطيات التي نشرتها صحيفة “الصباح”، فإن أثر هذه الإجراءات سيظهر ابتداء من يناير المقبل، من خلال انخفاض الاقتطاعات الضريبية وارتفاع المبالغ الصافية التي يتوصل بها المستفيدون، دون أن يعني ذلك رفع الأجور الأساسية، وهو تمييز أساسي لفهم طبيعة المكاسب المنتظرة وحدود انعكاسها على القدرة الشرائية.
الأجور الضعيفة خارج حسابات الزيادة
وتكشف التقديرات أن أكثر من ثلثي الأجراء والموظفين لن يستفيدوا من زيادة مباشرة نتيجة تخفيف الضريبة على الدخل، لأن رواتبهم معفاة أصلا ولا تصل إلى المستوى الذي يترتب عنه اقتطاع ضريبي، وهو ما يثير نقاشا بشأن مدى قدرة هذا الإصلاح، بمفرده، على تحسين أوضاع الفئات الأقل دخلا.
أما الفئات الخاضعة للضريبة، فمن المنتظر أن تبدأ مكاسبها الشهرية من 66 درهما، وترتفع إلى أكثر من 360 درهما لدى بعض أصحاب الرواتب التي لا تتجاوز 6550 درهما، في حين ينتظر أن تصل الزيادة إلى نحو 500 درهم شهريا خلال سنة 2027 بالنسبة إلى فئات تتراوح دخولها الخاضعة للضريبة بين 8500 و10 آلاف درهم.
ووفق الجدولة المنشورة، فإن هذه الشريحة الأخيرة لن تستفيد من زيادات إضافية خلال السنوات اللاحقة، ما يعني أن المكاسب المرتبطة بالإصلاح ستتوقف عند المستوى المسجل في السنة الأولى، على خلاف شرائح أخرى يرتقب أن تستفيد من تخفيضات ضريبية متتابعة.
أربع سنوات من المكاسب لأصحاب الدخول المتوسطة
وتبدو الاستفادة أكثر امتدادا بالنسبة إلى الأجراء الذين تتراوح دخولهم الصافية بين 11 ألفا و16 ألف درهم، إذ يتوقع أن تبدأ مكاسبهم بزيادة تقارب 500 درهم خلال سنة 2027، قبل أن تتواصل التعديلات خلال السنوات الثلاث الموالية وفق مستويات مختلفة من الدخل.
ففي سنة 2028، تشير المعطيات إلى زيادات تتراوح بين 866 و966 درهما، ثم مبالغ تتراوح بين 383 و633 درهما في سنة 2029، على أن تتراجع الزيادات الإضافية خلال سنة 2030 إلى ما بين 16 و166 درهما، دون تسجيل مكاسب جديدة لهذه الفئة خلال سنة 2031.
ويعكس هذا التدرج اختلاف تأثير المراجعات الجبائية بين الشرائح، حيث ترتبط الاستفادة بمستوى الدخل الخاضع للضريبة وبحجم الاقتطاع الذي كان يتحمله الأجير قبل تطبيق الإجراءات الجديدة، وهو ما يجعل المقارنة بين المكاسب الشهرية للفئات المختلفة مرتبطة أيضا بطبيعة الدخل والوضعية الجبائية.
مكاسب تصل إلى 7132 درهما لأصحاب الرواتب العليا
وتشير التوقعات إلى أن فئات الأجور الصافية الممتدة من 17 ألفا إلى 50 ألف درهم ستستفيد من مراجعات على مدى خمس سنوات، مع مكاسب متفاوتة قد تتراوح بين 33 و2500 درهم خلال سنة 2031، بينما يرتقب أن يصل مجموع التحسن الشهري لدى بعض أصحاب الدخول الأعلى إلى نحو 7132 درهما بحلول السنة نفسها.
وتعيد هذه الأرقام طرح سؤال التفاوت في القيمة المالية للاستفادة من الإصلاح، إذ إن الموظف أو الأجير الذي لا يؤدي الضريبة لن يلمس أي تغيير مباشر في راتبه نتيجة مراجعتها، بينما يستطيع صاحب الدخل المرتفع تحقيق مكسب أكبر بالقيمة المطلقة، نظرا إلى حجم الاقتطاعات الضريبية التي كان يؤديها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن أصحاب الدخول العليا سيستفيدون بالنسبة نفسها من أجورهم، لكنه يوضح أن توزيع المكاسب المالية سيظل مرتبطا ببنية الضريبة على الدخل ومستوى الأجر، وليس بالحاجيات المعيشية لكل فئة.
إصلاح جبائي يثير نقاشا حول العدالة الاجتماعية
وأثارت التعديلات المرتقبة اهتماما واسعا في الأوساط الاجتماعية وعلى منصات التواصل، بعدما اتجه النقاش نحو احتساب المكاسب الفردية التي قد يحصل عليها الأجراء والموظفون خلال السنوات المقبلة، ومدى انعكاسها على القدرة الشرائية في ظل استمرار الأعباء المعيشية.
ويطرح هذا النقاش إشكالية أوسع تتعلق بحدود الإصلاح الضريبي باعتباره أداة لتحسين الدخول، خاصة عندما تكون فئات واسعة من العاملين غير خاضعة أصلا للضريبة، وبالتالي لا يمكنها الاستفادة مباشرة من تخفيضها، مهما بلغت أهمية المراجعات بالنسبة إلى باقي الشرائح.
وفي انتظار اعتماد المقتضيات النهائية لمشروع قانون المالية لسنة 2027، يبقى الرهان المطروح هو مدى قدرة الإجراءات الجديدة على تحقيق التوازن بين تخفيف العبء الجبائي عن الأجراء الخاضعين للضريبة، وتوفير آليات أخرى لتحسين القدرة الشرائية للفئات ذات الأجور المحدودة التي لا يشملها الأثر المباشر لهذا الإصلاح.


