حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بعد “التصريحات” التي صدرت عن رشيد نكاز، الناشط السياسي الجزائري، الذي أثار جدلا أثناء زيارته الأخيرة إلى مراكش، والتقاطه صورة أمام صومعة الكتبية العريقة، ادعى من خلالها أنها جزائرية وليست مغربية، على اعتبار أن مؤسسها عبد المؤمن ينتمي إلى قبيلة كومية التي تعود أصولها إلى مدينة تلمسان بالجزائر، تواصل “آش نيوز” مع يوسف المساتي، الباحث في التاريخ، لاستطلاع رأيه حول الموضوع، فأكد أن قبيلة الخليفة الموحدي كانت تستقر فعلا في المناطق المحيطة بتلمسان، لكن المدينة في تلك الفترة كانت تابعة للمغرب وليست جزائرية مثلما عليه الحال اليوم، معتبرا أن استنتاج نكاز قائم على لي عنق التاريخ.

مبايعة السلطان المغربي من أجل السيادة والحماية

وقال يوسف المساتي، في تصريح للموقع، إن رشيد نكاز والذين يتبنون رأيه، يتجاهلون عددا من المعطيات التاريخية الهامة، ومن بينها أن تلمسان لم تكن سوى مدينة من مدن الدولة المرابطية، التي اتخذت مراكش عاصمة لها، وكانت تمثل وحدة سياسية مغربية تمتد من سوس الأقصى جنوبا إلى تخوم الجزائر شرقا، بل وإلى أعماق الصحراء الكبرى. وعندما تمكن عبد المؤمن من القضاء على الدولة المرابطية لم يختر تلمسان عاصمة له، بل بقيت كما كانت، قاعدة إدارية للجهة الشرقية، بينما جعل من مراكش عاصمة لدولته ومقرا للخلافة ومركزا للسلطة الروحية والسياسية والعسكرية، مشيرا إلى أن  تلمسان لطالما كانت جزءا من العرش المغربي، وبايع سكانها المولى عبد الرحمن بن هشام خلال القرن التاسع عشر من أجل السيادة والحماية.

وأضاف الباحث في التاريخ، أن المرحلة التاريخية التي يتحدث عنها رشيد نكاز، أي القرنان 11 و12 الميلاديين، لم تعرف وجود أي كيان سياسي مستقل اسمه الجزائر، بل كانت المنطقة موزعة بين السيادة المغربية (مرابطية وموحدية)، وبين كيانات صغيرة متفرقة أحيانا، كاشفا أن تسمية “الجزائر” نفسها ظهرت في وقت متأخر، بعد تأسيس مدينة الجزائر من طرف بولوغين بن زيري في القرن 10م، لكنها لم تصبح كيانا سياسيا موحدا قبل الحقبة العثمانية، ثم فترة الاحتلال الفرنسي، ثم الدولة الحديثة سنة 1962.

معلمة من معالم عاصمة دولة امتدت إلى الأندلس

واعتبر يوسف المساتي، أن جامع الكتبية في مراكش، الذي يحاول البعض اليوم نسبته إلى الجزائر استنادا إلى أصول بانيه، لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره معلما من معالم العاصمة السياسية لدولة امتدت من قلب المغرب الأقصى إلى الأندلس، بل وأجزاء من إفريقيا جنوب الصحراء. ولم يكن عبد المؤمن عندما أمر بتشييد هذا الصرح، يفكر بصفته ابن قبيلة كومية، ولا بصفته وليد تاجرة قرب تلمسان، بل بصفته خليفة الموحدين، قائد دولة عظمى عاصمتها مراكش، أطلق عليها المؤرخون الغربيون اسم “مملكة مراكش”، فيما عرف المغاربة دولتهم بالمغرب الأقصى.

وأشار الباحث، في التصريح نفسه، إلى أن قبيلة كومية التي ينتسب إليها الخليفة الموحدي، لم تكن، حسب المصادر التاريخية، ذات شأن سياسي أو قيادي قبل ظهور عبد المؤمن، (يقول عبد الواحد المراكشي في كتابه “المعجب في تلخيص أخبار المغرب” أنهم: “قبيلة كثيرة العدد جمة الشعوب، لم يكن لها في قديم الدهر ولا في حديثه ذكر في رياسة ولا حظ من نباهة، إنما كانوا أصحاب فلاحة ورعاة غنم وأصحاب أسواق يبيعون فيها اللبن والحطب وسوى ذلك من سقط المتاع”)، كما أن الخليفة نفسه، كما ينقل عدد من المؤرخين ومن بينهم المراكشي في أكثر من موضع، كان يقول إذا ذكر كومية: “لست منهم، وإنما نحن لقيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ولكومة علينا حق الولادة بينهم والمنشأ فيهم، وهم الأخوال”، وهو ما يبرز بوضوح أن انتماء الرجل لتلك القبيلة لم يكن مصدر فخر له، بل كان مجرد ظرف نشأة، وليس هوية سياسية أو وطنية كما يراد تقديمها اليوم.

أزمة الفكر السياسي الجزائري المعاصر

وكشف يوسف المساتي، أن المشكلة لا تتعلق بواقعة تاريخية معزولة، بل هي جزء من أزمة أعمق يعيشها الفكر السياسي الجزائري المعاصر، الذي يعاني من غياب سردية وطنية مؤسسة على تاريخ متصل لدولة واضحة المعالم والحدود، كما هو الحال بالنسبة للمغرب، الذي عرف تواصلا دولتيا منذ قرون، مضيفا أن هذا الفراغ التاريخي دفع بعض الأوساط الجزائرية إلى البحث عن شرعيات تاريخية بديلة، ولو بتوسيع مفهوم “الجزائر” ليتجاوز الإطار الجغرافي والزمني المعروف، ويمتد ليشمل رموزا وأحداثا تنتمي إلى تاريخ مغربي واضح وموثق.

وختم الباحث في تصريحه للموقع، قائلا “إذا أصر البعض على نسب جامع الكتبية إلى الجزائر، بحجة أن بانيه ولد قرب تلمسان، فإن الأولى أن يسألوا عبد المؤمن نفسه عن قبيلته، وهو الذي كان ينكر صلته بها، فكيف له أن ينسب منجزاته العمرانية أو السياسية إلى غير مراكش، التي اختارها بإرادته وعقله مركزا لحكمه؟ وإن كان من حق الجزائر أن تبحث عن رموز لهويتها، فليس من حقها القفز على تاريخ المغرب ومحاولة إعادة كتابته وفق رؤى سياسية ظرفية”.