تتوالى الصفعات الدبلوماسية على النظام الجزائري في ظرف إقليمي بالغ الحساسية، آخرها جاء من موسكو، حيث تلقى قائد أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، صدمة بروتوكولية مدوية بعدما تم تجاهله في احتفالات “عيد النصر” الروسي، فيما جلس المشير الليبي خليفة حفتر، عدو النظام العسكري الجزائري، إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. حدث يبدو بسيطا في شكله، لكنه يحمل دلالات عميقة في مضمونه.
هذا التجاهل العلني لواحد من أبرز وجوه السلطة الجزائرية لم يكن مجرد زلة بروتوكولية، بل جاء تتويجا لمسار انحداري تعيشه الدبلوماسية الجزائرية منذ سنوات، بعد أن فقدت بوصلة التأثير الإقليمي والدولي، وعجزت عن مجاراة التحولات المتسارعة في موازين القوى بالمنطقة، خصوصاً في الساحل وليبيا.
اللافت أن “القيصر” الروسي لم يكتف بتهميش شنقريحة، بل تجاهل الرئيس عبد المجيد تبون ذاته، ما فسر بأنه إشارة صريحة إلى تراجع الثقة الروسية في النظام الجزائري، بل وربما إلى مراجعة موسكو لتحالفاتها الإقليمية، بما يخدم المصالح الروسية الاستراتيجية في الساحل وشمال إفريقيا، وهي مناطق باتت تشهد تحولا متسارعا نحو المحور المغربي.
تآكل النفوذ الجزائري.. والمغرب يربح المعركة الهادئة
وبينما تتلقى الجزائر ضربات متتالية على الجبهة الدبلوماسية، يواصل المغرب بقيادة الملك محمد السادس ترسيخ مكانته كقوة إقليمية عاقلة ومتزنة. لم يحتج المغرب إلى دعاية أو استعراض عسكري، بل اعتمد استراتيجية ذكية تتأسس على بناء التحالفات، وتثبيت الشرعية، والانخراط النشط في ملفات المنطقة.
وفهمت الرباط مبكرا أهمية التموقع الذكي في خريطة النفوذ الدولي. فبينما كانت الجزائر تراهن على خطاب الثورة والدفاع عن الشعوب، نجح المغرب في تعزيز شرعية مطالبه، وخاصة في ملف الصحراء المغربية، من خلال الدعم الأمريكي والإفريقي، ومن خلال اتفاقيات التعاون والشراكة مع الاتحاد الأوروبي والدول الخليجية، والآن مع روسيا ضمنيا.
احتفالات النصر التي عرت الجزائر… وأبرزت حنكة الرباط
لم تكن احتفالات يوم النصر في موسكو مجرد مناسبة رمزية، بل كشفت حجم التحولات الجيوسياسية الكبرى. فروسيا التي كانت تعتبر الجزائر أحد حلفائها التقليديين في المنطقة، وجهت رسالة قاسية عبر بوابة بروتوكولية حين قررت دعوة حفتر عوضا عن شنقريحة، وتجاهلت تبون، رغم طلبه الحضور. هذه ليست فقط إهانة، بل مؤشرا على تراجع القيمة الاستراتيجية للنظام الجزائري في أعين الشركاء الكبار.
وفي المقابل، فإن سياسة “الصمت الفعال” التي ينتهجها المغرب تؤتي أكلها، إذ لم تعد المملكة بحاجة إلى استعطاف موسكو أو التوسل لدعوات رمزية، بل أضحت حاضرة في الحسابات الروسية بشكل واقعي، من خلال بوابة الساحل والاقتصاد والشراكات الاستراتيجية.
صعود مغربي مقابل سقوط جزائري
واليوم، تبدو الجزائر محاطة بعزلة سياسية لم يسبق لها مثيل، فقد خسرت ثقة مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتواجه فتورا مع باريس ومدريد وأبو ظبي، بل وحتى موسكو. في المقابل، يتقدم المغرب بخطى ثابتة، مستندا إلى الشرعية، والعقلانية، والدبلوماسية الهادئة التي يقودها الملك محمد السادس بكثير من الحنكة.
ولعل أكبر دليل على هذا الصعود المغربي هو ما قاله وزير الخارجية الروسي لافروف سابقا: “الجزائر لا هبة، لا وزن، ولا مواقف”… وهي جملة تكثف واقع دبلوماسية أنهكها التشنج، وافتقر قادتها للواقعية السياسية، في وقت أصبحت فيه الرباط تمثل عقل الإقليم وصمام أمانه.


