حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

في مشهد رمزي لا يخلو من الدلالة السياسية والاجتماعية، عرفت عدد من المؤسسات التعليمية الجزائرية خلال الأيام الأخيرة سلوكا جماعيا لافتا من طرف التلاميذ، تمثل في تمزيق دفاترهم وكراريسهم الدراسية بعنف وإلقائها أمام أبواب المدارس. سلوك لم يكن مجرد عبث طفولي، بل أقرب إلى صرخة احتجاجية خافتة، تعكس شرخا عميقا في علاقة الأجيال الجديدة بالنظام السياسي القائم.

وكان لهذا الحدث إلا أن يدق ناقوس الخطر، ويدفع إلى مراجعات حقيقية بشأن المنظومة التعليمية، بل وموقع الشباب من المعادلة السياسية والاجتماعية. لكن في الجزائر، وتحت رعاية الرئيس عبد المجيد تبون، مرت الواقعة دون أي اهتمام يذكر، سوى بضع ملاحظات إدارية باهتة، في تجاهل صارخ لدلالاتها العميقة.

وزير التربية يتعامل مع الظاهرة كأنها “نفايات”

وخلال ندوة صحفية خصصها للتحضيرات المتعلقة بالامتحانات الرسمية، لم يظهر على وزير التربية، محمد صغير سعداوي، أي أثر للقلق أو الانشغال بما يجري داخل المدارس. تصريحاته اقتصرت على توصية تقنية مفادها ضرورة تسليم الدفاتر القديمة إلى الإدارات المدرسية بدل تمزيقها، دون أن يكلف نفسه عناء التساؤل عن أسباب هذا السلوك الجماعي أو سياقه التربوي والاجتماعي.

وبدل الخوض في جوهر الأزمة، اختار الوزير تحويلها إلى ملف بيئي، عبر التنسيق مع وزارة البيئة لإعادة تدوير “النفايات الورقية”، وكأن تمزيق الدفاتر مجرد قضية لوجستيكية تتعلق بتسيير المخلفات، لا مؤشرا على أزمة ثقة عميقة بين المدرسة ومتعلميها.

السلطة ترفض رؤية الحقيقة.. والاحتجاج يتخذ شكلا تربويا

وتعامل المؤسسة الرسمية مع هذا السلوك الصادم يعكس عمق الانفصال بين السلطة والشباب. ففي وقت كان من المفترض أن تتحرك فيه الجهات المعنية لفتح نقاش وطني حول واقع المدرسة الجزائرية ومآلات الجيل الصاعد، اكتفت السلطة بالمناورة الصامتة، وفق القاعدة القديمة: “كم حاجة قضيت بتركها”.

لكن الواقع لا يدار بالتجاهل. وإذا كان التلاميذ اليوم قد عبروا عن إحباطهم بتمزيق دفاترهم، فغدا قد تكون أشكال التعبير أكثر صخبا، في بلد يتراكم فيه الغضب الشعبي تحت رماد الصمت والإنكار، وسط مؤشرات تنذر بانفجار اجتماعي محتمل، تتعامل معه السلطة بالجمود بدل الفهم والاستجابة.