في فصل جديد من مسلسل التوتر المتصاعد بين باريس والجزائر، فرضت السلطات الفرنسية، ابتداء من 17 ماي الجاري، قرارا غير مسبوق يلزم حاملي جوازات السفر الدبلوماسية الجزائرية بالحصول على تأشيرة مسبقة لدخول الأراضي الفرنسية، بما في ذلك المسؤولين وأفراد عائلاتهم والمقربين منهم، في خطوة اعتبرتها باريس “ردا تدريجيا” على قرارات جزائرية وصفتها بـ”غير المبررة”.
القرار الصارم، الذي عممته المديرية العامة للشرطة الوطنية الفرنسية على جميع المنافذ الحدودية، يقضي بمنع دخول أي حامل لجواز سفر دبلوماسي أو جواز مهمة جزائري إلى التراب الفرنسي دون تأشيرة، مع التشديد على تطبيقه “بصرامة تامة”، ورفع تقارير دورية حول أي صعوبات قد تواجه المصالح القنصلية والأمنية الفرنسية في تنفيذه.
وجاء هذا التطور بعد أشهر من تراكم الأزمات بين البلدين، بدأت بأزمة التأشيرات، ومرورا بملف الهجرة غير النظامية، ووصولا إلى طرد متبادل للدبلوماسيين، وانتهاء بإلغاء زيارات رسمية وإثارة قضايا تاريخية شائكة، من بينها قضية مغربية الصحراء الغربية والشرقية، والتي شكلت محور ضغط إضافي من الإعلام الفرنسي على السلطات الجزائرية.
خلفية القرار.. اختطاف، إهانات، وأزمات ذاكرة
وتعود أسباب هذا التصعيد إلى مجموعة من الحوادث التي اعتبرتها باريس تجاوزا للخطوط الدبلوماسية، منها احتجاز الكاتب بوعلام صنصال، واختطاف المعارض أمير دي زاد من على التراب الفرنسي، ما دفع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إلغاء زيارة كانت مبرمجة لمسجد باريس.
كما لم تتوانَ وسائل الإعلام الفرنسية الكبرى، من بينها “لو فيغارو”، عن تسليط الضوء على ملفات الذاكرة والهوية، بما في ذلك الاعتراف بمغربية الصحراء ودور الاستعمار الفرنسي في صناعة النظام الجزائري بعد عام 1962.
وفي المقابل، قام النظام الجزائري بطرد دبلوماسيين فرنسيين، ما قابلته باريس بالمثل، وقررت استدعاء القائم بالأعمال الجزائري، محذرة من خطوات إضافية قد تشمل تقليص عدد الدبلوماسيين الجزائريين المعتمدين في فرنسا.
تأثير مباشر على النخبة الجزائرية
القرار الفرنسي ستكون له تبعات ثقيلة على المسؤولين الجزائريين الذين ظلوا يتمتعون بامتيازات دبلوماسية للدخول إلى فرنسا دون تأشيرة، والذين دأبوا على إرسال أبنائهم للعلاج والدراسة، أو لقضاء الإجازات في المدن الفرنسية. أما الآن، فبات لزاما عليهم الاصطفاف في طوابير القنصليات، وتقديم طلبات كغيرهم من “العاديين”، كما صرح مسؤول فرنسي رفيع.
هذا التضييق سيمتد أيضا إلى الوفود الرسمية والبعثات الاقتصادية والعلمية التي كانت تعفى من إجراءات التأشيرة، ما يهدد بتجميد عدد من الاتفاقيات والتبادلات في قطاعات مختلفة.
أزمة بلا أفق للحل
وفي خضم هذه التداعيات، يبدو أن الأزمة الفرنسية الجزائرية أبعد ما تكون عن الانفراج. فالعلاقات الثنائية، التي تطبعها هشاشة تاريخية، دخلت الآن في مرحلة تصعيد غير مسبوق، وسط غياب أي مؤشرات على نوايا للتهدئة من الجانبين. ويبدو أن دوامة التراشق السياسي والدبلوماسي لن تنتهي قريبا، ما لم تتدخل وساطة أو تطرأ متغيرات جيوسياسية تفرض العودة إلى الحوار.


