تعيش الجزائر اليوم وضعا دبلوماسيا بالغ التعقيد، وسط تزايد المؤشرات على دخولها في عزلة دولية آخذة في الاتساع، سواء على المستوى الإقليمي أو في علاقاتها مع القوى الدولية الكبرى. وتعكس هذه العزلة نفسها من خلال سلسلة من التوترات والأزمات التي تهز موقع الجزائر في محيطها الاستراتيجي وتقلص من هامش حركتها السياسية على الساحة العالمية.
أزمة الساحل.. صراع مفتوح مع باماكو
وأحد أبرز مظاهر هذه العزلة يتجلى في التدهور الحاد للعلاقات مع مالي، بعد اتهامات مباشرة من باماكو للجزائر بدعم جماعات مسلحة تنشط في الشمال المالي. وقد بلغت الأزمة ذروتها إثر إسقاط طائرة مسيرة تابعة للجيش المالي في سنة 2025، ما اعتبرته السلطات المالية “انتهاكا صارخًا للسيادة الوطنية”، وأعادت بموجبه التشكيك في اتفاق الجزائر الموقع سنة 2015، والذي أصبح مرفوضا من طرف باماكو بشكل علني.
ويضعف هذا التوتر بشدة الدور الذي كانت تطمح الجزائر للعبه كوسيط إقليمي في منطقة الساحل، ويعزز الشكوك حول قدرتها على التأثير في ملف مكافحة الإرهاب أو استتباب الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا هشاشة.
علاقات متوترة من الجوار إلى العواصم الكبرى
وتمتد دائرة العزلة الدبلوماسية الجزائرية من محيطها الإقليمي المباشر إلى علاقاتها مع أبرز العواصم العالمية، حيث تعاني البلاد من توترات متفاقمة مع جيرانها، وعلى رأسهم المغرب، عقب القطيعة الدبلوماسية التي أعلنتها الجزائر سنة 2021، والتي جمدت فعليا أي أفق للتكامل المغاربي.
كما تعيش العلاقات مع إسبانيا حالة من الجمود، نتيجة التحولات في موقف مدريد من قضية الصحراء، وهو ما زاد من تعقيد المشهد الدبلوماسي الجزائري على الواجهة المتوسطية.
في المقابل، لا تزال العلاقات مع فرنسا تشهد اضطرابات متكررة بسبب تراكم الملفات التاريخية العالقة والخلافات السياسية، فيما تتسم مواقف الجزائر تجاه القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا بالغموض وعدم الاستقرار، ما يجعلها تتحرك في منطقة رمادية دبلوماسية، تفتقر إلى وضوح التوجه أو الحلفاء الثابتين.
أما على مستوى العالم العربي، فتعاني علاقاتها مع عدد من دول الخليج من فتور واضح، قلص فرص التعاون الاقتصادي والسياسي في مرحلة تحتاج فيها الجزائر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية.
دبلوماسية رد الفعل.. لا قيادة استباقية
وتواجه السياسة الخارجية الجزائرية انتقادات متزايدة بوصفها دبلوماسية “تفاعلية” تفتقر إلى المبادرة، وتتحرك غالبا كرد فعل على الأحداث بدل صياغة استراتيجيات استباقية قادرة على التكيف مع التحولات الدولية. هذا النمط جعل الجزائر عاجزة عن فرض نفسها كفاعل إقليمي مؤثر أو شريك موثوق في إدارة الأزمات.
نقطة التحول.. هل تعيد الجزائر صياغة تموقعها؟
أمام هذا الوضع، يطرح مراقبون السؤال الملح، هل تستطيع الجزائر كسر حلقة العزلة واستعادة دورها الإقليمي والدولي؟ والمؤكد أن ذلك يتطلب إعادة تقييم شاملة للخيارات الدبلوماسية، وتبني مقاربة مرنة تستند إلى الانفتاح، تعزيز التحالفات، والقدرة على لعب أدوار بناءة في محيطها الإقليمي والدولي. ففي عالم تتغير معادلاته بسرعة، لا يمكن لدولة بحجم الجزائر أن تكتفي بالمراقبة أو أن تظل حبيسة التردد الدبلوماسي.


