حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

في تحول استراتيجي لافت يعكس تراجع النفوذ الجزائري في منطقة الساحل، أعلنت السلطات الانتقالية في مالي عن حصولها على أسلحة روسية متطورة، وصفت بأنها “لا تشترى بالمال”، في خطوة تترجم اصطفافا جيوسياسيا جديدا يقصي تدريجيا الجزائر من معادلات القوة في الإقليم.

وجاء هذا الإعلان على لسان الجنرال أسيمي غويتا، رئيس المرحلة الانتقالية في مالي، عقب زيارة رسمية إلى روسيا، حيث كشف عن شراكة دفاعية “متقدمة واستثنائية” مع موسكو، تتجاوز الإطار التجاري التقليدي إلى مستويات من التعاون الاستراتيجي غير المسبوق.

رسائل ضمنية إلى الجزائر

تصريحات غويتا، التي اعتبرت بمثابة توجيه رسائل غير مباشرة إلى الجزائر، سلطت الضوء على التغيرات العميقة في خارطة النفوذ الإقليمي، حيث كانت الجزائر تسوق نفسها لسنوات كـ”ضامن أمني” في منطقة الساحل، مستفيدة من علاقاتها العسكرية والسياسية التقليدية.

لكن، ومع تراجع الوجود الفرنسي وانسحاب القوات الأوروبية من المنطقة، اختارت باماكو أن تتخذ مسارا جديدا، يقطع تدريجيا مع “الوصاية الجزائرية”، ويفتح الباب أمام نفوذ روسي متنامٍ يمنح مالي استقلالية استراتيجية أكبر في بناء منظومتها الدفاعية.

نحو عقيدة عسكرية جديدة

والأهم من ذلك أن مالي لا تكتفي بتغيير الشركاء، بل تسعى إلى إعادة تشكيل عقيدتها العسكرية، بما يتلاءم مع التحديات الأمنية الجديدة التي تواجهها في الداخل وعلى حدودها، وبما يسمح لها بتقوية دفاعاتها دون الحاجة إلى دعم خارجي مشروط.

ويفهم من هذا التحول أن الجزائر باتت خارج التوازنات الجديدة في المنطقة، خصوصا في ظل توسع النفوذ الروسي الذي يزحف بهدوء نحو دول الساحل، مقدما حزما من الدعم العسكري والمخابراتي واللوجستي، يصعب على دول مثل الجزائر منافستها.

إقصاء تدريجي للجزائر من المشهد

ويجمع مراقبون على أن الجزائر، التي كانت إلى عهد قريب تعد لاعبا أساسيا في أمن الساحل، أصبحت اليوم تواجه عزلة استراتيجية واضحة، في وقت يعيد فيه قادة المنطقة ترتيب أوراقهم وتحالفاتهم بما يخدم مصالحهم القومية بعيدا عن التأثيرات التقليدية.

ولعل ما يزيد من تعقيد الموقف الجزائري هو غياب المبادرة الدبلوماسية وضعف القدرة على التكيف مع التحولات المتسارعة، مقابل دينامية روسية قوية تخترق المنطقة عبر اتفاقات مباشرة ومساعدات نوعية تعيد رسم معالم التأثير في منطقة مشتعلة بالتهديدات والصراعات.