آش نيوز - الخبر على مدار الساعة - اخبار المغرب وأخبار مغربية

H-NEWS آش نيوز
آش نيوز TV13 يناير 2026 - 13:31

اكتشاف يهز الروايات القديمة.. هل أصول الفراعنة مغربية؟

يوسف المساتي

اكتشاف تاريخي يهز الروايات القديمة: هل كانت أصول الفراعنة مغربية؟ دراسة جينية تكشف عن روابط عميقة بين مصر والمغرب قبل آلاف السنين في كشف علمي مدو من شأنه أن يعيد كتابة فصول مهمة من تاريخنا المشترك في شمال إفريقيا، وأن يثير نقاشا واسعا حول الأصول العميقة للحضارات القديمة، بعد أن نجح فريق بحث دولي في استخلاص وتسلسل جينوم كامل لإنسان مصري قديم عاش في فجر الدولة القديمة (حوالي 2855-2570 قبل الميلاد). هذا الإنجاز العلمي، الذي نشر في مجلة “نيتشر nature” العالمية المرموقة بتاريخ 2 يوليوز 2025، لم يقدم فقط نظرة غير مسبوقة على التركيب الجيني للمصريين القدماء، بل فجر مفاجأة من العيار الثقيل: جزء كبير ومهيمن من الحمض النووي لهذا الفرعون القديم يعود بأصوله إلى سكان العصر الحجري الحديث في المغرب!

هذا الاكتشاف ليس مجرد إضافة علمية، بل هو فتح تاريخي مهم يعمق فهمنا للعلاقات المغربية المصرية القديمة إلى مستويات لم نتخيلها من قبل. إذ لطالما أُثيرت تساؤلات حول مدى الروابط بين الحضارات القديمة في وادي النيل وشمال إفريقيا، قبل أن يظهر هذا الدليل الجيني القاطع الذي يشير إلى هجرات وتفاعلات بشرية سبقت تشكل الحضارات الكبرى بآلاف السنين، ويضع المغرب كلاعب أساسي في السرد الجيني والتاريخي للمنطقة.

رجل النويرات: قصة جينية تنطلق من المغرب نحو ضفاف النيل

تم استخراج الجينوم من رفات ذكر بالغ عثر عليه في موقع النويرات بمصر، ويعود تاريخه إلى فترة حساسة تمتد بين عصر الأسرات المبكر والدولة القديمة. لكن ما يجعل قصة هذا الفرعون القديم أكثر إثارة هو تحليل مكوناته الجينية. فباستخدام أحدث النماذج الجينية، وجد العلماء أن جينوم هذا الفرد المصري يمكن تمثيله بشكل أفضل من خلال نموذج ثنائي المصدر، فحوالي 77.6% من أصوله ترتبط بشكل مباشر وقوي بسكان العصر الحجري الحديث الأوسط في المغرب، تحديدا من موقع “الصخيرات-الروازي” الأثري. أما الباقي (حوالي 22.4%) فيعود إلى سكان بلاد ما بين النهرين في العصر الحجري الحديث. هذه النسبة المرتفعة والمحددة للأصول المغربية في جينوم مصري قديم بهذه الأهمية التاريخية، ليست مجرد رقم، بل هي شهادة جينية على تدفق بشري كبير ومبكر من الأراضي المغربية باتجاه الشرق، وصولا إلى وادي النيل، ليساهم في تشكيل النسيج الجيني لحضارة الفراعنة في مراحلها الأولى. وهذا ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة لكيفية تصورنا للهجرات البشرية القديمة، ويؤكد على أن المغرب، بحضاراته التي تعود لآلاف السنين، كان مركزا ديموغرافيا مهما يساهم في حركة السكان عبر القارة.

فهم جديد للعلاقات المغربية المصرية القديمة

أعمق مما كنا نعتقد، لطالما عرفت الروابط بين المغرب ومصر القديمة من خلال التجارة أو التبادل الثقافي المحدود، لكن هذا الاكتشاف الجيني يذهب أبعد من ذلك بكثير، ليثبت وجود صلة دم مباشرة تعود إلى عصور سحيقة. فحقيقة أن غالبية التركيبة الجينية لهذا المصري القديم ذات أصول مغربية تشير إلى أن موجات هجرة كبيرة من سكان شمال إفريقيا الغربيين، ربما من السواحل الأطلسية للمغرب، قد انتقلت شرقا واستقرت في وادي النيل، لتصبح جزءا لا يتجزأ من المكون السكاني الذي أسس إحدى أعظم حضارات العالم. هذه النتائج تدعم فرضية أن ما يعرف بـ”الحزمة النيوليثية” (الزراعة وتربية الحيوانات) التي ظهرت في غرب آسيا ثم انتشرت، قد وصلت إلى مصر ليس فقط كفكرة أو تقنية، بل مع مجموعات بشرية تحمل معها جيناتها، وكان المغرب من بين المصادر الرئيسية لهذه الهجرات.

تغييرات جينية عبر العصور: إضاءة على تاريخنا المغاربي المشترك

المثير للاهتمام أن الدراسة لم تتوقف عند هذا الحد، بل قارنت جينوم النويرات مع جينومات من فترات لاحقة في مصر، وكذلك مع المصريين المعاصرين. تبين أن أصول المصريين اللاحقين والمعاصرين تختلف بشكل كبير عن فرد النويرات، حيث زادت نسب المشرق في الفترات المتأخرة. أما بالنسبة للمصريين المعاصرين، فتركيبتهم الجينية أكثر تعقيدا، لكن اللافت للنظر أن الأصول المرتبطة بالمغرب الأوسط في العصر الحجري الحديث لا تزال موجودة بنسب متفاوتة (28.9-72.7%)، مما يؤكد على استمرارية هذه البصمة الجينية عبر آلاف السنين. هذه التغييرات الجينية عبر العصور لا تسلط الضوء فقط على تاريخ مصر، بل تقدم إضاءة مهمة على التاريخ الديموغرافي للمغرب الكبير وشمال إفريقيا ككل، مؤكدة على أن شعوب المنطقة تشترك في إرث جيني غني ومعقد، يعكس قرونا من الهجرات والتفاعلات.

آفاق مستقبلية: دعوة للمغرب لفك المزيد من أسرار أصوله

تؤكد هذه الدراسة بشكل قاطع الحاجة الماسة إلى المزيد من الجينومات القديمة من المغرب وشمال إفريقيا لفك تشابك تاريخ الهجرة المعقد في المنطقة بشكل كامل، وتؤكد أن المغرب كان ولا يزال نقطة التقاء ثقافي وبشري محورية على مر العصور، وأن أصولنا المشتركة قد تكون أقدم وأعمق بكثير مما كنا نتصور.

بقلم: يوسف المساتي (باحث في التاريخ)

Achnews

مجانى
عرض