في خضم تحولات جيوسياسية عميقة تعيد رسم موازين القوى في منطقة الساحل الإفريقي، يتصاعد التنافس بين المغرب والجزائر بشكل متزايد، وسط مؤشرات على تراجع الدور التقليدي للجزائر في مقابل تقدم مدروس للمغرب على الساحة الإقليمية عبر بوابة الاقتصاد والشراكات الاستراتيجية.
ففي 23 مايو 2025، احتضنت العاصمة الموريتانية نواكشوط منتدى اقتصاديا جزائريا-موريتانيا، أسفر عن توقيع ثلاث اتفاقيات تعاون في مجالات صناعة الأدوية والنقل البحري، في محاولة جزائرية لتعزيز موطئ قدمها الاقتصادي بالمنطقة.
ويأتي ذلك بعد أشهر قليلة من انعقاد منتدى برلماني اقتصادي مغربي-موريتاني، تم خلاله بحث سبل التعاون في قطاعات رئيسية كالصيد البحري والزراعة والبنية التحتية، وهو ما يعكس تسابق البلدين نحو موريتانيا كبوابة استراتيجية إلى عمق الساحل الإفريقي.
الجزائر.. نفوذ يتراجع وسط أزمات دبلوماسية وأمنية
وبحسب تقرير صادر عن مجلة MEPEI – Journal MENA in Focus، فإن الجزائر شهدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة تراجعا ملحوظا في نفوذها التقليدي داخل دول الساحل، خاصة بعد تجميد مشروع أنبوب الغاز الثلاثي مع نيجيريا والنيجر، إثر تعليق نيامي للدراسات التقنية المتعلقة بالمشروع.
كما تفاقمت التوترات بين الجزائر والنيجر عقب قيام الجزائر بترحيل نحو 20 ألف مهاجر نيجري في ظروف وصفتها منظمة Alarme Phone Sahara بأنها “قاسية”، ما دفع السلطات النيجرية إلى استدعاء السفير الجزائري.
وعلى الصعيد الأمني، أدى إسقاط طائرة مسيرة تابعة لمالي بنيران جزائرية إلى أزمة دبلوماسية مع تحالف دول الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، وهو ما دفع مالي إلى إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الجزائرية وتعليق مشاركتها في آليات التعاون الأمني مع الجزائر.
المغرب يتقدم بخطى ثابتة عبر الاقتصاد والبنية التحتية
وفي المقابل، اختارت الرباط مقاربة براغماتية لتوسيع نفوذها، حيث تعمل على تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع دول الساحل، مستفيدة من انسحاب هذه الدول من مجموعة “إيكواس” وما ترتب عليه من عزلة إقليمية.
وفي هذا السياق، أعلنت المغرب في ديسمبر 2023 عن مبادرة لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي عبر موانئه، بهدف كسر العزلة وتحقيق الاندماج الاقتصادي لدول مثل مالي، النيجر، بوركينا فاسو وتشاد.
وتعد موريتانيا اليوم جزءا من هذا التوجه المغربي، حيث لوحظ تراجع استقبال نواكشوط لقيادات جبهة البوليساريو، بالتزامن مع تعميق التعاون الاقتصادي مع الرباط.
مشروع الغاز الأطلسي ومبادرة إفريقيا الأطلسية
ويسير المغرب بثبات نحو تنفيذ مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الذي سيمتد من نيجيريا إلى المغرب مرورا بـ 15 دولة إفريقية، بطول 5600 كيلومتر وبقدرة استيعابية تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا.
كما أطلقت الرباط في يونيو 2022 مبادرة “إفريقيا الأطلسية”، التي تهدف إلى تأسيس تكتل يضم 23 دولة إفريقية تطل على المحيط الأطلسي، من مضيق جبل طارق إلى رأس الرجاء الصالح، تركز على الاقتصاد الأزرق، الأمن البحري، وربط شبكات الطاقة.
الجزائر تناور عبر الموانئ والطرق نحو الزويرات
ولم تقف الجزائر مكتوفة الأيدي أمام هذا التحول، بل بادرت إلى تقوية حضورها الاقتصادي في موريتانيا من خلال تشغيل خط بحري مباشر إلى ميناء نواذيبو، والشروع في إنجاز طريق بري يمتد لـ700 كيلومتر لربط مدينة تندوف الجزائرية بمدينة الزويرات الموريتانية.
وقد أدى هذا التحرك إلى رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين ليصل إلى 414 مليون دولار عام 2023، بعد أن كان لا يتجاوز 50 مليون دولار في 2018.
إلا أن دخول روسيا على خط النفوذ الأمني في دول الساحل عبر مجموعة “فاغنر” قلّص من قدرة الجزائر على لعب دور الوسيط الأمني كما في السابق، وأوجد لها منافسين مباشرين في إدارة ملف مكافحة الإرهاب بالمنطقة.
تناقضات إقليمية تضعف موقع الجزائر وتبرز المغرب
الجزائر تجد نفسها اليوم في موقف صعب أمام القوى الغربية، لا سيما فرنسا، التي باتت تعزز علاقاتها الاستراتيجية مع المغرب بعد إعلان باريس دعمها لمغربية الصحراء. وفي المقابل، ينظر إلى الرباط كطرف ديناميكي يقدم رؤية تنموية متكاملة لدول غرب إفريقيا، تجمع بين الاقتصاد، البنية التحتية، والطاقة.
ورغم هذا التقدم المغربي، يشير التقرير إلى أن الجزائر تظل فاعلا لا يمكن تجاهله في المعادلة الأمنية بالساحل، لكن طبيعة المبادرات المتعددة في المنطقة، إن لم تنسق بشكل فعال، قد تؤدي إلى تفكيك أي جهود تنموية مستقبلية.


