تحول النزاع حول الصحراء المغربية من قضية إقليمية تحت إشراف الأمم المتحدة إلى ساحة صراع خفي وشرس بين فرنسا والجزائر، حيث كشفت تحقيقات صحفية فرنسية حديثة عن تصاعد أنشطة استخباراتية متبادلة بين الطرفين، تدور خلف الكواليس وتدار بعيدا عن الأضواء الرسمية.
وفي تقرير نشرته مجلة L’Express الفرنسية، تم الكشف عن وثيقة رسمية حساسة عبارة عن رسالة وجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس بتاريخ 27 يوليو 2024، يؤكد فيها دعم بلاده الكامل لمغربية الصحراء، قائلا صراحة:
“الحاضر والمستقبل بالنسبة للصحراء الغربية يندرجان بالكامل ضمن السيادة المغربية”.
ووفقا للتقرير، فإن هذه الرسالة التي لم تعلن رسميا آنذاك، كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الجزائر وباريس، حيث رأت الجزائر في هذا الموقف انحيازا صريحا ضد مصالحها الاستراتيجية وضربة لمحور دعمها التاريخي لجبهة البوليساريو.
الاستخبارات الجزائرية ترد بحرب في الظل
وتشير المصادر إلى أن الموقف الفرنسي دفع الأجهزة الأمنية الجزائرية إلى الرد من خلال تكثيف عملياتها الاستخباراتية في أوروبا، وخاصة في فرنسا، عبر التجسس، والابتزاز، ومراقبة معارضين جزائريين في الخارج، بالإضافة إلى محاولة التأثير على القرار السياسي الفرنسي باستخدام ملفات الهجرة واللجوء.
في المقابل، كثفت الاستخبارات الفرنسية جهودها لرصد وتفكيك هذه الشبكات الجزائرية، من خلال تعقب تمويلات مشبوهة، مراقبة تحركات أفراد، واستغلال الانقسامات الداخلية داخل النظام الجزائري.
ويؤكد معدو التحقيق أن بحوزتهم وثائق وصور وتقارير استخباراتية توثق لعمليات تجسس مضادة، وشبكات تجنيد، وحتى حوادث اغتيال تم التستر عليها على أنها قضايا جنائية عادية أو حوادث فردية.
الملف يتجاوز الجغرافيا نحو الأمن القومي
ووفقا لما تكشفه التسريبات، أصبح ملف الصحراء المغربية ورقة أمن قومي بامتياز في أجندات باريس والجزائر، لم يعد مرتبطا بجغرافيا الإقليم فحسب، بل امتد إلى ملفات الهجرة، والتجسس، والمعارضة في المنفى، وشبكات النفوذ.
ويشير التقرير إلى أن هذه الحرب الخفية بدأت تؤثر على مجالات التعاون الحيوي بين الطرفين، بما في ذلك الطاقة، الهجرة، مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، في وقت تحاول فيه فرنسا تعزيز شراكتها مع المغرب على حساب علاقتها التاريخية مع الجزائر. وفي المقابل، تعتبر الجزائر هذا التقارب تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ولمصالحها الجيوسياسية في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي.
الأزمة مرشحة للتصعيد
ويخلص التحقيق إلى أن الأزمة لا تزال في بدايتها، وأن العديد من الملفات الأمنية والسياسية مرشحة للانفجار مستقبلا، مع كل تسريب جديد أو حادث حدودي أو نشاط استخباراتي غير معلن.
وفي ظل هذا التصعيد، تعمل الجزائر على تعزيز قبضتها الأمنية الداخلية خشية الاختراقات، بينما تمضي فرنسا قدما في إعادة رسم خارطة تحالفاتها الإقليمية بما يخدم أولوياتها الجديدة في المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء.


