بعد أكثر من ثلاثة عقود من النقاش والتأجيل، يعود مشروع النفق البحري بين المغرب وإسبانيا ليأخذ مسارا عمليا. المبادرة التي ولدت في ثمانينيات القرن الماضي تعثرت مرارا بفعل الصعوبات التقنية والمالية والاعتبارات السياسية، قبل أن تستعيد زخمها في 2023 ضمن دينامية التعاون الثنائي. وفي صيف 2025، حصل المشروع على الضوء الأخضر لإطلاق الدراسات التقنية النهائية، مدعوما بتمويلات أوروبية عبر آلية الإنعاش والمرونة.
معلمة هندسية غير مسبوقة
النفق، الذي تشرف عليه الشركة الإسبانية العمومية Secegsa، يرتقب أن يمتد على طول 60 كيلومترا، منها 28 كيلومترا تحت مياه المضيق، ما يجعله واحدا من أطول الأنفاق البحرية في العالم بعد “اليوروتونيل” الرابط بين فرنسا وبريطانيا. وسيمر عبر عتبة كامارينال التي لا يتجاوز عمقها 300 متر، لتفادي المسارات البحرية الأكثر وعورة.
ولا ينظر إلى المشروع كمجرد إنجاز هندسي ضخم، بل كجسر حيوي استراتيجي يربط إفريقيا بأوروبا، ويجعل المغرب محورا أساسيا في حركة التجارة الدولية. النفق، وسيسهم المخصص للسكك الحديدية، في تعزيز انسيابية تنقل الأشخاص والبضائع، وتقليص كلفة المبادلات التجارية، ودعم موقع المغرب كبوابة اقتصادية للقارات الثلاث.
تحديات تقنية ومالية كبرى
رغم الحماس المعلن، تبقى التحديات كبيرة، إذ يقدر الغلاف المالي للمشروع بما بين 15 و30 مليار يورو، إلى جانب المخاطر الطبيعية المرتبطة بالنشاط الزلزالي والتيارات البحرية القوية في المضيق. كما أن تنفيذه يتطلب توافقا قانونيا ومؤسساتيا محكما بين الرباط ومدريد حول المعايير التقنية والتشريعات الخاصة بالبنية التحتية والنقل.
من المقرر أن تنطلق الدراسات الجيوتقنية والزلزالية في شتنبر 2025، على أن تمتد الأشغال الفعلية للبناء لما يقارب 15 عاما. وحددت التقديرات الأولية سنة 2040 كسقف زمني لتسليم هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يرتقب أن يغير وجه الربط بين ضفتي المتوسط بشكل جذري.


