شهدت السياسة الجنائية المغربية تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة، استجابة لمتطلبات العدالة الحديثة، وضغوطات الواقع الاجتماعي والحقوقي. ومن أبرز هذه التحولات دخول القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة حيز التنفيذ بتاريخ 22 غشت 2025. هذا القانون لم يأت من فراغ، بل جاء في سياق وطني ودولي متنام يدعو إلى إعادة النظر في جدوى العقوبات السالبة للحرية، خاصة في الجنح، لما لها من آثار سلبية على الأفراد والمجتمع على حد سواء.
لقد أصبح الاكتظاظ السجني بالمغرب معطى هيكليا يهدد نجاعة السياسة الجنائية، حيث تشير تقارير المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج إلى أن الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية تكاد تكون مستنزفة بالكامل، مما يحد من إمكانية تأهيل السجناء ويضعف فرص إعادة إدماجهم. وبالمقابل، تنبه الدراسات المقارنة إلى أن العقوبات القصيرة الأمد غالبا ما تفشل في إصلاح السلوك الإجرامي، بل قد تؤدي إلى تفاقمه بفعل الاختلاط داخل السجون،
وهو ما دفع المشرع المغربي إلى تبني خيار العقوبات البديلة كآلية قانونية تروم التوفيق بين حماية المجتمع وإصلاح الجاني.
تعريف العقوبات البديلة ونطاقها
ينص الفصل 35-1 من القانون رقم 43.22 على أن العقوبات البديلة هي تدابير جنائية يمكن الحكم بها عوض العقوبة الحبسية في الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها خمس سنوات حبسا نافذا. ويشترط المشرع لتطبيقها توفر جملة من الضوابط، أهمها أن يكون المحكوم غير عائد، وألا يكون قد سبق أن استفاد من هذه البدائل، وأن يبدي موافقته الصريحة على اعتمادها. غير أن المشرع لم يفتح الباب على مصراعيه أمام جميع الجرائم، إذ استبعد صراحة الجرائم
ذات الخطورة البالغة، مثل الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي والخارجي، وجرائم الإرهاب والرشوة والاختلاس، والاتجار غير المشروع في المخدرات، فضلا عن الجرائم الجنسية المرتكبة ضد القاصرين. هذا التقييد يعكس إرادة المشرع في حصر نطاق البدائل في الجرائم التي لا تهدد الأمن العام بشكل خطير، مع الحفاظ على الصرامة المطلوبة في مواجهة الأفعال الجسيمة.
صور العقوبات البديلة
اعتمد القانون أربع صور أساسية للعقوبات البديلة، تمثل في مجملها مزيجا بين الجزاء والبعد الإصلاحي:
1. الغرامة اليومية: وهي آلية مالية تقوم على تحويل مدة العقوبة الحبسية إلى مبلغ يدفع عن كل يوم كان مقررا قضاؤه في السجن. وتتميز هذه العقوبة بمرونتها، إذ تحدد قيمتها وفق الإمكانيات المالية للمحكوم عليه، بما يمنع إثقال كاهل الفئات الهشة، ويحقق في الوقت ذاته مبدأ المساواة أمام الجزاء.
2. العمل لفائدة المنفعة العامة: ويعتبر أبرز مظهر من مظاهر العدالة الإصلاحية، إذ يلزم المحكوم عليه بأداء ساعات خدمة في مؤسسات عمومية أو جمعيات معترف بها قانونيا. وتمكن هذه الآلية من جعل العقوبة ذات بعد اجتماعي إيجابي، حيث يعيد الجاني بعضا من النفع للمجتمع بدل أن يعزل في السجن.
3. المراقبة الإلكترونية: وهي إجراء حديث يعتمد على تكنولوجيا التتبع بواسطة سوار إلكتروني، يسمح بمراقبة تنقلات المحكوم عليه ضمن حدود معينة. وتتيح هذه العقوبة الجمع بين الحفاظ على حرية الفرد، وضمان احترام القانون، مع تخفيف الضغط عن السجون.
4. التدابير العلاجية أو التأهيلية: وتشمل إلزام المحكوم عليه بالخضوع لعلاج نفسي أو اجتماعي، أو متابعة تعليمية أو تكوين مهني، وهي تدابير تستهدف الفئات التي يحتمل إصلاح سلوكها عبر التأهيل، بما يحد من خطر العودة إلى الجريمة.
الاجتهادات القضائية الأولى
منذ دخول القانون حيز التنفيذ، شرعت المحاكم المغربية في إصدار أولى الأحكام بالعقوبات البديلة، مما أتاح فرصة لقياس مدى استعداد الجهاز القضائي لتبني هذا الإصلاح. ففي المحكمة الابتدائية بسوق السبت أولاد النمة، أصدرت هيئة الحكم قرارا في قضية نصب، قضى في البداية بشهر ونصف حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 2000 درهم، قبل أن تستبدل العقوبة الحبسية بغرامة يومية قدرها 200 درهم عن كل يوم حبس. وقد جاء الحكم مشفوعا بالتنبيه إلى أن عدم الأداء سيؤدي إلى تنفيذ العقوبة الأصلية، مما يعكس توازنا بين المرونة والصرامة.
وفي المحكمة الابتدائية بتطوان، صدر بتاريخ 25 غشت 2025 حكم في قضية تتعلق بالضرب والجرح ضد امرأة بسبب جنسها والإخلال العلني بالحياء. قضت المحكمة بشهر حبسا نافذا وغرامة 500 درهم، قبل أن تستبدل العقوبة بغرامة يومية قدرها 100 درهم، وأرفقتها بتدبير وقائي يقضي بمنع المحكوم عليه من الاتصال بالضحية أو الاقتراب منها لمدة سنتين بعد انتهاء العقوبة. ويبرز هذا المثال كيف يمكن للعقوبات البديلة أن تترافق مع تدابير وقائية، بما يحفظ حقوق الضحايا ويحقق الردع الخاص.
التحديات المرتقبة
رغم الأهمية البالغة لهذا الإصلاح، فإن نجاحه يظل رهينا بعدة شروط موضوعية وبنيوية. أولها البنية التحتية التقنية واللوجستيكية، خاصة ما يتعلق بالمراقبة الإلكترونية التي تتطلب تجهيزات دقيقة وتنسيقا بين مؤسسات متعددة. وثانيها آليات تتبع تنفيذ العمل لفائدة المنفعة العامة، بما يقتضي توفير شراكات مع الجماعات المحلية والجمعيات، وإيجاد فضاءات مؤهلة لاستقبال المحكوم عليهم. وثالثها تكوين الموارد البشرية، إذ إن إنجاح التجربة يتطلب تكوين قضاة النيابة العامة والقضاة الحكم. كما أن توحيد الاجتهاد القضائي يشكل ركيزة أساسية، حتى لا يتم التعامل مع نفس الحالات بشكل متباين من محكمة إلى أخرى، مما قد يفرغ البدائل من مضمونها.
تحول فلسفي في السياسة الجنائية
وختاما، فإن القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة لا يمثل مجرد تعديل جزئي في المنظومة الجنائية، بل هو إصلاح تشريعي يروم إحداث تحول فلسفي في السياسة الجنائية المغربية. فهو يسعى إلى الانتقال من العقوبة السالبة للحرية كخيار وحيد إلى بدائل تراعي الإصلاح والردع معا. غير أن تفعيل هذا الطموح يتوقف على حسن تنزيل النص القانوني على أرض الواقع، وعلى وعي مجتمعي يواكب هذه البدائل بوصفها وسيلة أكثر عدالة
وفعالية، لا مجرد تساهل مع الجريمة. وبذلك، يمكن القول إن هذا الإصلاح يمثل خطوة أولى في مسار طويل نحو بناء عدالة جنائية متوازنة، تستجيب لمتطلبات حماية المجتمع وفي الآن ذاته تحترم كرامة الفرد وحقه في إعادة الإدماج.
بقلم: الأستاذ إسماعيل الورايني (محامي بهيئة المحامين بتطوان، أستاذ زائر بكلية محمد الخامس بالرباط)


