حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

حين يخرج أمين عام حزب (محمد أوزين) ليصف الصحافيين بـ”الفراقشية” ويعتبر الدعم العمومي “علفا”، فنحن لا نعيش إختلافا في الرأي فقط، بل سقوطا في مستوى الخطاب السياسي. السياسة التي كانت تدار بالأفكار والبرامج، صارت عند البعض تدار بالسخرية والإهانة… وهذا أخطر من أي معركة انتخابية.

الصحافة ليست دجاجا في قن أحد. هي سلطة رابعة، تصنع التوازن، وتزعج حين يجب الإزعاج، وتفتح النوافذ عندما يفضل آخرون إغلاقها. من حق أي سياسي أن ينتقد الصحافة، أن يرد ، وأن يحتكم إلى القضاء، لكن ليس من حقه أن يجرد مهنة كاملة من كرامتها بكلمة عابرة على “فيسبوك”.

العلف السياسي والشعبوية المدمرة

السؤال الذي يجب أن يطرحه زعيم حزب الحركة الشعبية على نفسه بسيط: إذا كان دعم الصحافة “علفا”، فماذا نسمي دعم الأحزاب وتمويل الحملات الانتخابية وتعويضات المنتخبين؟ هل نسميه بدوره “علفا سياسيا؟

الدعم العمومي، للصحافة كما للأحزاب، كما للعديد من القطاعات، فلسفته واحدة: حماية التعددية والاستمرار، لا إطعام قطيع. الخطر في خطاب الإهانة أنه يفتح الباب أمام شعبوية مدمرة: يسهل السب، ويصعب النقاش، ويحول الخلاف الطبيعي إلى معركة مع المجتمع كله.

المجال العام ليس حلبة للشتائم والإهانات

ومن يهاجم الصحافة بهذه اللغة، يوجه في النهاية ضربة لهيبة السياسة نفسها، ويقنع الشباب بأن المجال العام مجرد حلبة شتائم، لا فضاء للتنافس حول الحلول. لا أحد يطلب من السياسيين أن يحبوا الصحافة. المطلوب فقط أن يحترموا قواعد اللعبة: حق النقد يقابله حق الرد، والاختلاف يقابله القانون، لكن الكرامة المهنية خط أحمر. لأن إهانة الصحافة اليوم هي المقدمة الطبيعية لإسكاتها غدا.

لقد أخطأ زعيم حزب الحركة الشعبية العنوان. مشكلته ليست مع الصحافة، بل مع فكرة المحاسبة. ومن لا يحتمل النقد، لا يستحق أن يطلب ثقة الناس. سيبقى الإعلام، بكل عيوبه، مساحة للنقاش والرقابة وكشف الاختلالات. وسيبقى أقوى من كل محاولات تحويله إلى “حظيرة”. فحين تنحدر السياسة إلى مستوى “الفراقشية والعلف”، لا ينقذ الصورة إلا صحافة حرة، ثابتة، وشجاعة… تقول للحاكم والمحكوم معا: نحن لسنا علفا لأحد. نحن صوت هذا المجتمع.

الصحافة ليست خصما

الصحافة، مهما اختلفنا معها، ليست خصما شخصيا لأحد. هي سلطة رقابية، تقلق من يفضل الصمت وتفضح ما يراد له أن يبقى في الظل. لذلك وجدت. ومن الطبيعي أن تخطئ أحيانا وأن تصيب أحيانا أخرى كثيرة. لكن غير الطبيعي أن يختصرها زعيم حزبي في صورة “حظيرة” ثم يطلب في الوقت نفسه احترام السياسة وثقة المواطنين.

على أوزين أن يفهم أن من يحقر الصحافة اليوم، يحقّر غداً المؤسسات كلها، لأن منطق “الزريبة”، عندما يدخل السياسة يدمرها: يسكت النقد، يقتل الحوار، ويفتح الباب لخطاب الانفعال بدل خطاب الدولة.

انحدار أخلاقي وانزلاق سياسي

المشكلة ليست في النقد. المشكلة في مستوى اللغة التي تطلق من منابر مسؤولة. حين يتحول الخلاف مع منبر أو مقالة إلى عداء مع مهنة كاملة، فنحن أمام انحدار أخلاقي قبل أن يكون انزلاقا سياسيا. اللغة هنا ليست مجرد كلمات. اللغة سياسة. حين تهان الصحافة، تهان فكرة المحاسبة ذاتها. من يهرب من النقد، لا يحتمل الرقابة. ومن لا يحتمل الرقابة، لا يستحق أن يطلب ثقة الناس.

أبسط قواعد الديمقراطية تقول: صحافة حرة تعني دولة أكثر قوة، لا مؤسسات أضعف. لذلك، فإن الرد على خطاب الإهانة لا يكون بالصراخ، بل بعمل مهني هادئ، شجاع، وملتزم بالحقيقة، لا بعصا ولا ب”علف”.

السياسة لا تدار بالشتيمة

“الزريبة السياسية” ليست قدراً. هي خيار. وخيارنا يجب أن يكون واضحا: سياسة تُدار بالعقل لا بالشتيمة، وبالبرامج لا بالاحتقار، وباحترام الصحافة باعتبارها شريكا في الرقابة، لا هدفا سهلا للتهكم.

في النهاية، قد تمر العبارات، وقد تنسى التدوينات، لكن ما يبقى حقا هو صورة السياسي حين يختبره النقد: هل يرتفع إلى مستوى الدولة… أم يسقط إلى منطق “الزريبة”؟