حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تحل السنة الأمازيغية 2976 في المغرب وسط تحولات عميقة تطال علاقة المجتمع بذاكرته الثقافية. فاحتفالات إيض يناير لم تعد محصورة في الطقوس العائلية المرتبطة بالأرض والفلاحة، بل أصبحت لدى فئات واسعة من الشباب فعلا رمزيا واعيا، يحمل دلالات تتجاوز الاحتفال نحو الدفاع عن الهوية وصون الذاكرة الجماعية.

ويعكس هذا التحول انتقال الأمازيغية من خانة الموروث الصامت إلى مجال الفعل الثقافي الحي، حيث بات الشباب ينظرون إلى رأس السنة الأمازيغية باعتباره لحظة لإعادة طرح أسئلة الانتماء واللغة والهوية داخل مغرب يتغير بسرعة.

الاعتراف الرسمي.. نقطة تحول في المسار

لا يمكن فصل هذا الوعي المتجدد عن المسار المؤسساتي الذي عرفته الأمازيغية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد ترسيمها لغة رسمية للدولة، ثم إقرار رأس السنة الأمازيغية يوم عطلة وطنية رسمية بقرار من الملك محمد السادس.

وشكل هذا الاعتراف انتقالا نوعيا من مطالب ثقافية إلى اختيارات دولة، ما منح الاحتفال بعدا وطنيا جامعا، ورسخ الأمازيغية باعتبارها مكونا أصيلًا من الهوية المغربية، لا مجرد خصوصية جهوية.

الشمال.. اللغة كذاكرة وانتماء

في مناطق الريف، حيث تسود تاريفيت، تتجلى علاقة خاصة بين اللغة والذاكرة. فالتشبث بالأمازيغية هنا ينظر إليه كمسألة انتماء قبل أن يكون اختيارا لغويا. وداخل البيوت، تمارس اللغة بوصفها ركيزة أولى لتشكيل وعي الطفل بذاته وبمحيطه، في ظل إدراك متزايد بأن فقدان اللغة يعني تآكل الذاكرة الجماعية.

غير أن هذا التشبث يصطدم بتحديات معاصرة، أبرزها ضعف اهتمام بعض الشباب بتاريخ مناطقهم، وهو ما يطرح، وفق فاعلين ثقافيين، مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة في إعادة ربط الأجيال الصاعدة بجذورها الثقافية.

الجنوب.. الاحتفال كجسر بين الأجيال

وفي سوس والمجالات الناطقة بـتاشلحيت، يأخذ إيض يناير طابعا جماعيا واضحا، حيث يتحول إلى مناسبة لإعادة إنتاج التراث داخل الفضاء الأسري والتعليمي. فالاحتفال لا يقتصر على الطقوس، بل يمتد إلى أنشطة تربوية تعرف الأطفال بالعادات واللباس التقليدي والأكلات المرتبطة بالمناسبة، وعلى رأسها طبق تاكلا، باعتباره رمزا للخصب والاستمرارية.

كما يشكل رأس السنة الأمازيغية لحظة لمساءلة واقع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، خاصة داخل المدرسة والإدارة، وسط تطلعات إلى حضور أوسع للغة في الحياة اليومية.

الأطلس.. الهوية كممارسة يومية

وفي المناطق الناطقة بـتمازيغت، تبدو الأمازيغية جزءا من الممارسة اليومية أكثر منها شعارا مناسباتيا. فاللغة تظل حاضرة داخل البيت، والعودة إلى القرى خلال الأعياد تعبير عن ارتباط عميق بالأرض والذاكرة.

هذا الارتباط لا يطرح في تعارض مع الانفتاح، بل باعتباره أساسا للتوازن بين الخصوصية الثقافية والعيش المشترك داخل مجتمع متعدد.

بين المكسب والتحدي

ومع دخول السنة الأمازيغية 2976، يبرز مسار مزدوج، مكاسب مؤسساتية واضحة، يقابلها تحدٍ عملي يتمثل في تحويل الاعتراف القانوني إلى حضور فعلي في التعليم والإعلام والإدارة.

وفي قلب هذا الرهان، يبرز دور الشباب باعتبارهم الفاعل الأبرز في إعادة تعريف الأمازيغية، لا كتراث ماضٍ، بل كثقافة حية قادرة على التفاعل مع الحاضر وصياغة المستقبل.

هكذا، لم يعد إيض يناير مجرد احتفال ببداية سنة جديدة، بل لحظة وعي جماعي متجدد، تختزل مسار الأمازيغية في المغرب بين ذاكرة تمتد في عمق التاريخ، وطموح يتجه بثبات نحو المستقبل.