حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

كشفت المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا أن التتويج لا يحسم فقط بجودة الأداء التقني أو القيمة الفردية للاعبين، بل كثيرا ما تحسمه التفاصيل الذهنية والقدرة على إدارة اللحظات الحرجة. ففي مواجهة حاسمة من هذا الحجم، بدا أن المنتخب السنغالي نجح في توظيف ما يمكن تسميته بـ”الخبث الكروي”، مقابل ارتباك ذهني واضح في صفوف المنتخب المغربي خلال مرحلة مفصلية من اللقاء.

السيناريو الذي عاشته المباراة، خاصة بعد احتساب ضربة الجزاء، أخرج المواجهة مؤقتا من إطارها الرياضي الطبيعي، وحولها إلى ساحة ضغط نفسي واحتجاجات متواصلة، استعملت فيها كل الوسائل المشروعة وغير المباشرة لإرباك الخصم وكسب الوقت وكسر الإيقاع.

احتجاجات بلا خرق.. لكن بتأثير كبير

وما ميز سلوك المنتخب السنغالي أنه لم يتجاوز القانون بشكل صريح، لكنه اعتمد أسلوب التشويش والضغط النفسي على الحكم والخصم في آن واحد. وحسب خبراء، أن هذا النوع من السلوك، وإن كان لا يصنف ضمن المخالفات التأديبية المباشرة، إلا أنه يضرب في عمق الروح الرياضية، ويؤثر بشكل مباشر على تركيز اللاعبين داخل أرضية الملعب.

وفترة التوقف الطويلة التي رافقت الاحتجاجات، والتي امتدت لما يقارب عشر دقائق، لم تمر دون أثر. إذ تراجع النسق الذهني للمباراة، ودخل اللاعبون في حالة من التشتت، خاصة في الجانب المغربي، الذي بدا عاجزا عن استعادة التركيز بسرعة.

الطاقم التقني في قفص الاتهام

ويرى محللون، أن في مثل هذه المباريات، تقاس قيمة الطاقم التقني بقدرته على حماية لاعبيه ذهنيا قبل أي شيء آخر. غير أن ما حدث أظهر ضعفا في تدبير اللحظة الحرجة، حيث انخرط اللاعبون في جدال لا يخدم مصلحتهم، بدل الانعزال والتركيز على تنفيذ القرار التحكيمي الذي أقرته تقنية الفيديو.

وكان من المفترض أن يتم احتواء اللاعبين، وإبعادهم عن سيناريوهات الانسحاب والتهديدات التي طرحت، والتي لو تحققت لكانت القوانين في صالح المنتخب المغربي. غير أن الانجرار خلف استفزازات الخصم أضاع زمنا ثمينا وأثر على الجاهزية الذهنية في لحظة لا تقبل الخطأ.

ضربة الجزاء.. قرار تقني أم مجازفة ذهنية؟

ومن بين أكثر النقاط التي أثارت الجدل، قرار هوية منفذ ضربة الجزاء في تلك اللحظة الحساسة. فقد بدا واضحا أن اللاعب الذي أنيطت به المهمة كان يعيش حالة من التوتر والانفعال منذ أطوار المباراة الأولى، ما طرح تساؤلات حول معايير الاختيار في لحظة كان الهدوء والخبرة فيها عاملين حاسمين.

وفي النهائيات، لا مكان للمجاملات أو الحسابات الفردية، فالأولوية القصوى تكون للنجاعة النفسية قبل التقنية. وكان من الممكن تفادي هذه المجازفة بإسناد المهمة للاعبين أكثر هدوءًا وتجربة في مثل هذه الظروف.

سيناريو معد سلفا؟

ما جرى في المباراة لم يكن معزولا عن سياق عام عاشه المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث تزامنت نجاحاته المتتالية قاريا ودوليا مع ارتفاع منسوب الضغط والتشكيك ومحاولات الإرباك. هذا المعطى جعل من “الدهاء الكروي” سلاحا يستخدم بشكل متكرر في مواجهته، خصوصا في المواعيد الكبرى.

غير أن التعامل مع هذه الأساليب يظل مسؤولية داخلية بالأساس، تتطلب قراءة مسبقة للمباريات وإدارة صارمة للجانب الذهني، لأن البطولات الكبرى لا تحسم فقط بالموهبة، بل بالتحكم في الأعصاب حين يبلغ التوتر ذروته.

وقدم النهائي الإفريقي درسا قاسيا مفاده أن الطريق إلى التتويج يمر عبر التفاصيل الصغيرة، وأن الانضباط الذهني لا يقل أهمية عن الجاهزية البدنية والتكتيكية. فحين يفقد التركيز في الأمتار الأخيرة، يصبح اللقب بعيد المنال، مهما كانت الأفضلية التقنية داخل المستطيل الأخضر.