بعد مرور خمس سنوات على توقيع اتفاقيات أبراهام، لم تعد الشراكات الأمنية والعسكرية التي أفرزتها مجرد ترتيبات ظرفية، بل تحولت إلى نمط تعاون ثابت ومستقر بين إسرائيل والدول الموقعة، يجري تدبيره بشكل علني ومؤسساتي.
وتظهر المعطيات المتداولة أن هذه الشراكات واصلت اشتغالها حتى خلال فترات التوتر والحروب، من خلال آليات تعاون ثنائية ومتعددة الأطراف، تشمل تنسيقات مهنية، زيارات متبادلة، لقاءات قيادية، وتدريبات عسكرية مشتركة، إضافة إلى تعاون في مجالات بناء القدرات وتطوير القوة العسكرية لمواجهة تهديدات إقليمية مشتركة.
المغرب وإسرائيل: تعاون استراتيجي يتجاوز الظرفية
وفي هذا السياق، يبرز التعاون الأمني بين المغرب وإسرائيل كأحد النماذج الأكثر وضوحا على هذا التحول، حيث يرتكز على التزام متبادل بالشراكة الاستراتيجية، مدعوما بالموقف الإسرائيلي المعلن الداعم للوحدة الترابية للمغرب في قضية الصحراء، وبقرارات رسمية صدرت عن مؤسسات صنع القرار الإسرائيلية خلال شهر نونبر الماضي.
وخلال مختلف مراحل التصعيد الإقليمي، استمر التعاون بين الرباط وتل أبيب بشكل علني، ما يعكس طابعا مؤسساتيا مستقرا للعلاقة، يتجاوز الحسابات الظرفية.
ويشمل هذا التعاون مجالات متعددة، من بينها تطوير القدرات العسكرية، إطلاق مشاريع مشتركة، تبادل الخبرات التقنية، التعاون في الصناعات الدفاعية، ودعم جهود وطنية تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية للطرفين.
كما يحتضن المغرب تدريبات عسكرية مشتركة بزي رسمي، يتم الإعلان عنها بشكل شفاف، من بينها مناورات African Lion التي نُظّمت خلال شهر ماي الماضي، ما يعكس مستوى الانخراط العلني في هذه الشراكة.
وتتقاطع الرؤى بين البلدين حول عدد من التحديات الإقليمية، في مقدمتها التمدد الإيراني في المنطقة، إضافة إلى الحفاظ على أمن الملاحة البحرية في الممرات الاستراتيجية.
الإمارات وإسرائيل: تعاون أمني-اقتصادي متنام
أما على مستوى العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، فقد شكلت اتفاقيات أبراهام نقطة تحول نوعية، أسست لقاعدة تعاون أمني وعسكري علني، قائم على آليات اشتغال منتظمة وتنسيق مستمر بين المؤسستين العسكريتين.
ولا يقتصر هذا التعاون على الجانب الأمني الصرف، بل يمتد إلى الصناعات الدفاعية والبعد الاقتصادي-الأمني، في إطار رؤية تهدف إلى تعميق العلاقات الثنائية وتوسيعها نحو شراكات إقليمية أوسع.
الولايات المتحدة: العمود الفقري للتحالف العسكري
ويظل التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية الركيزة الأساسية في هذه المنظومة، حيث يشكل التعاون بين الجيشين عنصرا محوريا في الاستراتيجية الأمنية المشتركة.
وخلال العمليات العسكرية الأخيرة، بما فيها حرب “السيوف الحديدية” و”الأسد الصاعد”، استمر التنسيق الوثيق بين الطرفين على مختلف المستويات، سواء عبر العمل المشترك أو تبادل المعلومات.
كما تتواصل الزيارات المتبادلة لمسؤولين عسكريين أمريكيين رفيعي المستوى إلى إسرائيل، إلى جانب حوار قيادي دائم، بما في ذلك الزيارات المتكررة لقائد القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم، في مؤشر على تعميق الثقة وبناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد.
شراكات خرجت من السرية إلى العلن
وبعد خمس سنوات، يتضح أن اتفاقيات أبراهام لم تفتح فقط باب التطبيع السياسي، بل أرست شبكة تحالفات أمنية وعسكرية علنية، باتت تشكل أحد أعمدة التوازنات الإقليمية الجديدة، في ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بتعقّد التهديدات وتشابك المصالح.


