حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

صدر بلاغ الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين في لحظة توتر مؤسساتي غير مسبوق داخل قطاع الصحافة، تميزت بإحالة القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة على المحكمة الدستورية، وما رافق ذلك من شلل عملي في آليات التنظيم الذاتي، وانعكاسات اجتماعية ومهنية مباشرة على الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.

البلاغ لا يأتي بوصفه رد فعل تقني، بل موقفا سياسيا مؤسساتيا محسوبا، يعكس انتقال الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، من منطق التحفظ إلى منطق المواجهة العلنية.

مدخل ذكي

استهلّت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بلاغها بتثمين قرار المحكمة الدستورية، وهو اختيار مقصود يهدف إلى تثبيت نفسها داخل منطق الشرعية الدستورية لا خارجها، ونزع أي تهمة بالتصادم مع المؤسسات وتحويل القرار من مجرد حكم قانوني إلى أرضية سياسية وأخلاقية لمساءلة الفاعل السياسي. بمعنى آخر: الجمعية تقول ضمنيا: نحن مع الدستور، ومن يعبث بالقطاع هو من استعمل الدستور بشكل انتقائي.

الانتقائية السياسية

جوهر البلاغ يتمثل في توصيف إحالة قانون المجلس الوطني للصحافة وحده إلى المحكمة الدستورية كمنهج انتقائي بحسابات سياسوية ضيقة وخلفيات غير بريئة. وهذا توصيف بالغ الدلالة، لأنه يخرج الإحالة من إطار الحق الدستوري إلى سوء استعمال هذا الحق، ويلمح إلى ازدواجية المعايير داخل الممارسة البرلمانية ويطرح سؤالا سياسيا خطيرا: لماذا الصحافة فقط؟ ولماذا دائما؟ البلاغ هنا لا يسمي الأحزاب، لكنه يسمي الفعل ويجرده من براءته.

مفهوم الزمن المهني

ومن أكثر النقاط ذكاء في البلاغ استعمال مفهوم الزمن المهني للقطاع. وهو مفهوم غير تقني، لكنه شديد العمق، لأنه ينقل النقاش من النصوص إلى الآثار الملموسة. كما يربط البلاغ السياسة بالمسؤولية الاجتماعية ويجعل من تعطيل المؤسسات جريمة زمنية في حق المهنيين. أما القائمة الواردة (توقيف البطاقات، عدم صرف الأجور، تعطيل الاتفاقيات الجماعية) فليست سردا عاطفيا، بل لائحة اتهام موثقة بالنتائج.

إعادة تثبيت الشرعية التمثيلية

عندما تؤكد الجمعية أنها “الإطار الأكثر تمثيلية، والذي يضم أكبر المؤسسات الإعلامية وأوسع قاعدة من الصحافيين المهنيين”، فهي لا تقدم توصيفا ذاتيا، بل: تُغلق باب أي تشكيك في صفتها وتُعلن نفسها الفاعل المهني الشرعي مقابل الفاعل السياسي المتقلب، كما تُمهّد لأي قرارات تصعيدية لاحقة باعتبارها صادرة عن تمثيلية وازنة.

من التحذير إلى ما قبل التصعيد

إعلان عقد اجتماع موسّع الأسبوع القادم ليس تفصيلًا تنظيميًا، بل رسالة إنذار سياسي. كما أن نقل البلاغ من مستوى البيان إلى مستوى ما قبل القرار تلميح واضح إلى أن الصمت لن يستمر. البلاغ لا يعلن المعركة، لكنه يقول بوضوح: نحن في آخر محطة قبل التصعيد.

خطاب أخلاقي للرأي العام

“الصحافة ليست ورقة تفاوض… وليست صندوق رمل لتجارب السياسيين”، هي خلاصة أخلاقية عالية النبرة، تخرج القضية من صراع مهني سياسي إلى قضية رأي عام يهم مستقبل الديمقراطية الإعلامية. وهنا تُحمّل الجمعية المسؤولية لا فقط للفاعلين السياسيين بل للتاريخ والرأي العام، وهو أعلى منسوب للمساءلة الرمزية.

خلاصة تحليلية

بلاغ الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين ليس بلاغ تبرير بل بلاغ اتهام مؤسساتي. وهو ليس رد فعل بل تموضع استراتيجي. إنه ليس نهاية المسار بل بداية مرحلة جديدة. إنه بلاغ يقول بوضوح: إذا استُبيحت الصحافة اليوم باسم السياسة، فإن التنظيم الذاتي والديمقراطية الإعلامية هما الخاسر الأكبر غدا. وهو، بذلك، يضع الجميع أمام مسؤولياتهم: الأحزاب، البرلمان، والمؤسسات الدستورية، قبل أن يحسم الأمر في الشارع الإعلامي والرأي العام.