كان يلزمنا بلاغ من الديوان الملكي يشيد بقوة العلاقات بين المغرب وباقي بلدان إفريقيا، من أجل أن تخفت حدة الهجومات العنصرية على أفارقة جنوب الصحراء الذين يعيشون بيننا منذ سنوات طويلة خلت، وفيهم الجيد وفيهم السيء، مثلهم مثل جميع الشعوب في العالم.
حتى قبل أن يفوز منتخب السنغال بكأس الكان، في ظروف تتسم بالكثير من العنف و”التنوعير” والسلوكات غير الرياضية، كانت بعض الفئات من المغاربة، تطالب بطرد أفارقة جنوب الصحراء من المغرب، في سلوك عنصري مكروه، ويعتبرون أنهم احتلوا البلاد واستولوا على لقمة عيش المغاربة، ويتزوجون من بناتهم من أجل تكثير سوادهم واحتلال المملكة.
أما بعد نهائي كأس إفريقيا، فقد ارتفع منسوب العنصرية درجات غير مسبوقة، وأصبح كل أصحاب البشرة السوداء سواسية، سنغالا وغيرهم. سائقو سيارات الأجرة يرفضون أن يقلوهم.. أصحاب المحلات في الأسواق يرفضون أن يبيعونهم ما يحتاجونه.. بل منهم من تعرض للإهانة والطرد والسب والشتم و”الشتف” مثلما رأينا وتابعنا في العديد من منصات التواصل الاجتماعي.
الأكثر من هذا، أصبح كل من يدعو إلى التهدئة، أو يبدي تعاطفا مع أفارقة جنوب الصحراء بالمغرب، مستهدفا بالهجوم والتنمر وحملات الإساءة العنصرية من طرف بعض “أوباش” مواقع التواصل الاجتماعي، والذين يعتقدون أنهم يملكون “سوارت البلاد”، ويحق لهم أن يطردوا منها كل من لا يعجبهم لونه أو رأيه أو جنسيته.
لا يعرف هؤلاء الحمقى والجهلة، كم تكلف المغرب سياسة الانفتاح على إفريقيا. ويريدون أن يمحوا، بجرة تعليق أو تدوينة بئيسة، سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي والميداني في قلب القارة الإفريقية وجولات ماراثونية قام بها الملك إلى مختلف بلدانها ودولها من أجل العودة المنصورة إلى حضن ماما أفريكا، التي انطلقت منها البشرية جمعاء.
هكذا.. ومن أجل مباراة في كرة القدم وكأس منتظرة منذ خمسين سنة، يريدنا البعض، من بيننا ومن عندنا، وآخرون مسلطون علينا يتربصون بنا الأخطاء والهفوات، أن نقطع مع الجانب الإفريقي منا وفينا، بكل ما يعنيه الأمر من انسلاخ عن هويتنا وانتماءنا إلى هذه القارة التي استعبد أبناؤها ونهبت خيراتها وعاشت في غياهب الجهل و”الحكرة”، لكي يبني الغرب أوطانه بسواعدها وثرواتها.
لقد عانى السود، على مدار التاريخ، العبودية والاستغلال والتمييز العنصري، في جميع بلدان المعمور. وحتى الدول التي تتشدق بالديمقراطية والمساواة والحقوق، يتعامل مواطنوها مع أفارقة جنوب الصحراء وكأنهم إنسان من الدرجة الثالثة. لا يثنيهم عن ضربهم أو سحلهم أو البصق عليهم وسبهم وطردهم، سوى القوانين التي تقف لهم بالمرصاد وتجرم سلوكهم وأفعالهم. وهي القوانين التي يجب أن تطبق في المغرب، لتوقف بعض العنصريين عند حدهم وتضمن للمواطنين الأفارقة من جنوب الصحراء، حقوقهم داخل هذه المملكة التي فتحت لهم قلوبها قبل أبوابها.
إنها ليست دعوة “دبلوماسية” مثلما سيعتقد البعض خاطئين. إنه نداء إنساني مستعجل من أجل وقف هذا المرض الذي يستشري بيننا. ومثلما أظهرنا للعالم قدرتنا على تنظيم تظاهرة كروية كبرى. علينا أن نظهر له سمو الأخلاق والرفعة والتضامن الأخوي. فالسنغاليون، خصوصا، زملاؤنا وأصدقاؤنا و”نسابنا” وآباء أبناءنا وجيراننا وطلاب في معاهدنا وشركاؤنا التجاريون والاقتصاديون ومريدو زاويتنا التيجانية بفاس.
المغرب، ومثلما قال الملك الراحل الحسن الثاني، بكل حكمة ورؤية استباقية، شجرة جذورها في إفريقيا وأغصانها في أوروبا، ويجب أن تظل كذلك، سواء “دينا الكاس ولا داتها السنغال”.


