في الثلاثين من يناير 2026، أصدر باتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بياناً أراد له أن يكون مفعماً بالوقار المؤسسي، مطمئناً في لغته، صارماً في عباراته، ومشبعاً بمفردات من قبيل «النزاهة»، و«حماية السمعة»، و«التنافسية العالمية»، و«عدم التسامح مطلقاً».
بيانٌ يبدو، من حيث الشكل، مكتملاً.
غير أن مضمونه، عند إخضاعه لقراءة متأنية، لا يصمد طويلاً أمام منطق الوقائع.
فهذا النص، الذي قُدِّم باعتباره محاولة لاحتواء تداعيات واحدة من أكثر نهائيات كأس الأمم الإفريقية اضطراباً في تاريخها الحديث، لا ينجح في تبديد القلق، بقدر ما يكشف، من حيث لا يقصد، عمق الاختلال الذي تعانيه منظومة القرار داخل الكاف.
بل إن أخطر ما فيه، أنه يقرّ ضمنياً بوجود خلل مؤسسي جسيم، من دون أن يتحمل تبعاته، ومن دون أن يُنصف الطرف الذي تحمّل كلفته كاملة: المغرب.
غضب متأخر لا يرقى إلى مستوى الحدث
يقول رئيس الكاف إنه شعر بـ«خيبة أمل عميقة» إزاء ما شهدته المباراة النهائية من أحداث «غير مقبولة».
غير أن هذا الغضب، وإن بدا صارماً في اللغة، جاء متأخراً في الزمن.
فالأسئلة الجوهرية لا تتعلق بما قيل بعد المباراة، بل بما لم يُفعل أثناءها.
فالقارة الإفريقية، ومعها العالم، تابعوا لحظة بلحظة مشهداً غير مسبوق: احتجاجاً جماعياً انسحاباً من أرضية الملعب في نهائي قاري، توقفاً طويلاً لمباراة تتوَّج فيها قارة بأكملها، وضغطاً مباشراً على الحكم في أوج لحظة القرار.
لم يكن ذلك خطأ تحكيمياً عادياً،
ولا انفعالاً عابراً.
كان انهياراً مؤقتاً لسلطة المباراة ذاتها.
ومع ذلك، لا يقدم البيان أي تفسير لسبب عدم اعتبار هذا الفعل خرقاً جوهرياً يمس صميم النظام الرياضي، ولا لماذا لم يُعالَج باعتباره نقطة الانفجار التي فجّرت كل ما تلاها.
مفارقة الردع: حين تُقرّ المؤسسة بعجز عقوباتها
يبلغ البيان ذروة مفارقته حين يعلن رئيس الكاف عزمه مراجعة القوانين التأديبية «لضمان فرض عقوبات مناسبة ورادعة في حالات الانتهاكات الجسيمة».
بهذا التصريح، تعترف الكاف. للمرة الأولى بهذا الوضوح، بأن منظومتها الزجرية غير قادرة على الردع، وأن أدواتها القانونية أظهرت قصورها أمام الوقائع.
وهنا تبرز معضلة منطقية لا يمكن القفز عليها:
إذا كانت القوانين تحتاج إلى مراجعة لتصبح رادعة، فمعنى ذلك أن العقوبات التي صَدرت لم تكن كذلك.
فكيف يُطلب من الرأي العام قبولها بوصفها عادلة ونهائية ومتوازنة؟
إن المؤسسة، في لحظة واحدة، تؤكد صحة قراراتها… ثم تنزع عنها قيمتها الردعية.
وهو تناقض يُضعف القرار بدل أن يعززه.
مساواة مصطنعة تُربك ميزان العدالة
تكمن الإشكالية الأعمق في الطريقة التي جرى بها تسطيح الوقائع.
فقد جرى وضع سلوك جماعي يهدد استمرارية المباراة ذاتها، في مستوى واحد مع أحداث لاحقة، انفعالية ومؤسفة، لكنها ليست بنيوية في طبيعتها.
فنتج عن ذلك ما يشبه «توازناً حسابياً» في العقوبات، لا يعكس بأي حال التفاوت الحقيقي بين الأفعال.
في العدالة الرياضية، ليست كل الأخطاء متكافئة.
فالانسحاب من نهائي قاري ليس مخالفة إجرائية، بل كسر للعقد الأخلاقي والرياضي الذي تقوم عليه المنافسة.
وحين لا يُرفع هذا الفعل إلى مرتبة الخط الأحمر المطلق، فإن الرسالة التي تُبَثّ خطيرة:
أن الضغط الجماعي قد يتحول، مستقبلاً، إلى أداة تفاوض داخل المباريات.
وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب كرة القدم الإفريقية.
ثمن التوازن السياسي. …
في خضم هذا المشهد، يجد المغرب نفسه في موقع بالغ القسوة.
بلد منظم قدّم نموذجاً نادراً في الاحتراف،
منتخب بلغ النهائي بشق الأنفس،
جمهور احتضن القارة بروح رياضية عالية.
ومع ذلك، انتهى به الأمر متضرراً رياضياً ورمزياً،
مرفوض الطعن،
ومُعادَل الأحداث،
وكأن الوقائع كانت متماثلة.
ليس الشعور السائد أن الكاف انحازت للسنغال، بل أنها اختارت، بدافع الحذر المؤسسي، تمييع المسؤولية خشية فتح سابقة.
غير أن العدالة التي تُدار بمنطق تفادي الإحراج، لا بمنطق توصيف الحقيقة، تفقد جوهرها مهما حسُنت نواياها.
التحكيم: حديث عن المستقبل وصمت عن لحظة الاختبار
أفرد البيان حيزاً واسعاً للحديث عن تطوير التحكيم، وتقنية الفيديو، والاستثمارات المقبلة، وصورة إفريقيا عالمياً.
غير أن السؤال الجوهري غاب تماماً:
ماذا فُعل، في تلك اللحظة الحرجة، لحماية الحكم وسلطته؟
فالدفاع عن التحكيم لا يتحقق فقط بالتكوين والتكنولوجيا،
بل بإعلان موقف واضح لا لبس فيه:
أن قرار الحكم نافذ، مهما اشتد الضغط.
وحين يغيب هذا الموقف، يتحول الخطاب الإصلاحي إلى مجرد وعد مؤجل.
بيان يكشف هشاشة أكثر مما يعالجها
في المحصلة، لا ينجح بيان رئيس الكاف في ترميم الثقة.
بل يكشف، من حيث لا يريد، أن:
المنظومة التأديبية غير مكتملة،
والردع لم يعمل،
وإدارة الأزمات تحتاج إلى مراجعة عميقة،
وأن نهائي البطولة ألحق ضرراً حقيقياً بصورة المؤسسة.
غير أنه يتجنب السؤال الأكثر إيلاماً:
من الذي دفع ثمن هذا الخلل؟
ولدى شريحة واسعة من المغاربة، يبدو الجواب واضحاً.
كلمة أخيرة: النزاهة لا تُعلَن… بل تُمارَس
إن نزاهة كرة القدم الإفريقية لا تُبنى بالبيانات، مهما علت نبرتها،
بل تُؤسَّس عبر قواعد واضحة،
وتراتبية صارمة للأخطاء،
وعقوبات متناسبة فعلاً لا شكلاً،
وشجاعة مؤسسية في لحظات الامتحان.
وحين تتحدث الكاف عن الإصلاح «غداً»، فهي تقرّ بأن «اليوم» قد أخفق.
لكن بالنسبة إلى المغرب، لم يكن هذا النهائي درساً نظرياً للمستقبل.
كان ظلماً معيشاً في الحاضر.
ولهذا، ما زال الجرح مفتوحاً.
بقلم: نوفل الرغاي
إعلامي – المدير العام لمجموعة شدى


