حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم يعد ملف الصحراء مجرد نزاع إقليمي بالنسبة للنظام الجزائري، بل تحول إلى اختبار تاريخي ثقيل الكلفة، سيجد نفسه عاجلا أم آجلا مضطرا لتبرير تبعاته أمام شعبه. فبعد أكثر من خمسين سنة من توجيه ثروات البلاد نحو دعم أطروحة الانفصال، يقترب موعد طرح السؤال الصعب: ماذا جنت الجزائر من إنفاق يفوق 300 مليار دولار في قضية لم تحقق مكسبا سياسيا حاسما؟

هذا الرقم الضخم، الذي يمثل ثروة أجيال كاملة من الجزائريين، قد يتحول إلى عنوان نقاش داخلي واسع، خصوصا في ظل التحولات الدبلوماسية المتسارعة التي يعرفها الملف، وتزايد الاعتراف الدولي بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي كحل واقعي للنزاع.

جذور تاريخية من التضامن إلى القطيعة

ويستحضر المقال صفحات من التاريخ المشترك بين المغرب والجزائر، حين وقف المغرب إلى جانب الأمير عبد القادر في مقاومته للاستعمار الفرنسي، ورفض السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام تسليمه، رغم الضغوط الفرنسية، في موقف استند إلى مبادئ الجوار والتضامن.
ذلك القرار قاد إلى مواجهة عسكرية سنة 1844، انتهت بتوقيع معاهدة لالة مغنية سنة 1845، التي مهدت لاحقاً لفرض الحماية على المغرب سنة 1912، في واحدة من المحطات التي تعكس عمق الروابط بين الشعبين قبل أن تنقلب المعادلة بفعل صراعات سياسية وحدودية لاحقة.

منذ سنة 1975، سخرت الجزائر موارد مالية وعسكرية ولوجستية ضخمة لدعم جبهة البوليساريو، في إطار مشروع تقسيم المغرب. وتشير المعطيات إلى تخصيص ميزانيات سنوية تقارب 850 مليون دولار لدعم الجبهة وتسويق أطروحتها، إلى جانب توفير التدريب العسكري والأسلحة والمعدات خلال عقود متتالية.

كما تحركت الدبلوماسية الجزائرية في مختلف المحافل الدولية لمساندة الطرح الانفصالي، واستضافت عناصر الجبهة في مخيمات تندوف وقواعد عسكرية، حيث تم تدريبهم وتجهيزهم لمواجهة القوات المغربية.

مخيمات تندوف.. ورقة سياسية مكلفة

وتحولت مخيمات تندوف، وفق القراءة التي يقدمها المقال، إلى ورقة سياسية استُخدمت لعقود في الصراع الإقليمي، حيث جرى تجميع آلاف الأشخاص في ظروف صعبة، بينما استفاد بعض قيادات الجبهة من امتيازات السفر والتحرك في عواصم العالم، بتمويل من الخزينة الجزائرية، لتسويق خطاب الانفصال دوليا.

وبينما كانت هذه الموارد تصرف خارج الحدود، ظل الشارع الجزائري يواجه أزمات اجتماعية واقتصادية متكررة، ما يعزز التساؤلات حول أولويات السلطة خلال العقود الماضية.

أنظمة انهارت تحت ثقل الشعارات

ويستحضر المقال نماذج لأنظمة سياسية بنت شرعيتها على شعارات أيديولوجية وصراعات خارجية، قبل أن تنهار تحت ضغط التحولات الدولية. من أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين، إلى أنظمة عربية سقطت في موجات التغيير خلال العقد الأخير، تتكرر نفس الخلاصة: الأنظمة التي تستنزف موارد شعوبها في صراعات بلا أفق تدفع الثمن في النهاية.

كما يشير النص إلى أن كثيرا من النزاعات الحدودية في المنطقة تعود إلى الإرث الاستعماري الفرنسي، سواء بين الجزائر وتونس أو بين الجزائر والمغرب، حيث جرى اقتطاع أراضٍ من دول الجوار وضمها إلى التراب الجزائري خلال فترة الاستعمار، وهو ما خلق ملفات حدودية لا تزال مفتوحة حتى اليوم.

ساعة الحقيقة تقترب

بعد كل هذه العقود، يقترب النظام الجزائري من لحظة الحقيقة، حيث قد يجد نفسه مطالبا بتقديم إجابات واضحة لشعبه حول مصير مليارات الدولارات التي صُرفت في ملف الصحراء، وحول النتائج التي تحققت فعليا على الأرض.

فالجزائريون الذين خرجوا في حراك 2019 مطالبين بالتغيير، لم يكونوا يرفعون فقط شعارات سياسية، بل كانوا يعبرون أيضاً عن تراكم غضب اجتماعي واقتصادي، تغذيه سياسات استنزفت ثروات البلاد في ملفات خارجية.

نظام أمام اختبار التاريخ

ومع اقتراب ملامح تسوية نهائية لملف الصحراء، قد يجد النظام الجزائري نفسه أمام اختبار تاريخي صعب، يفرض عليه مراجعة سياسات نصف قرن، ومصارحة شعبه بحقيقة الخيارات التي اتخذت باسمه، وبالثمن الذي دفعته أجيال كاملة في صراع لم يجلب لها سوى الاستنزاف والعزلة.
فالتاريخ، كما يذكر المقال، لا يرحم الأنظمة التي تراهن طويلاً على صراعات خاسرة، ولا يمنحها فرصة الهروب من أسئلة الشعوب حين تحين لحظة الحساب.