كلما مرت المملكة من مآس وكوارث بيئية أو مناخية، قدم المغاربة صورة جميلة عن بلد وشعب ومجتمع يرفع شعار التضامن والتآزر والتآخي في النكبات، سواء في مأساة الطفل ريان التي وحدت مشاعر المغاربة وأسرت قلوبهم وجمعتها حول حفرة ضيقة في قرية نائية، أو أثناء زلزال الحوز الذي أبان، إلى جانب الجاهزية المؤسسية في التعامل مع هذا الحدث، عن التضامن الشعبي الحقيقي، النابع من تربية وسلوك المغاربة أينما كانوا.
وشاءت الأقدار مرة أخرى أن تصيب الفيضانات مدينة تارودانت، لتكشف عن معدن وروح المغاربة من خلال الوقوف الجماعي في وجه هذا الحدث، سواء بالنسبة إلى المواطنين العاديين، أو من خلال حضور الدولة بمختلف أجهزتها ومؤسساتها، وفي مقدمتها القوات المسلحة الملكية، التي أثبتت أنها مؤسسة تتجاوز وظيفتها الدفاعية، إلى القيام بأدوار إنسانية وإنقاذية حاسمة، دون الحديث عن الجدية والتفاني والنجاعة.
قوة وحنكة تعاطي الدولة مع الفيضانات
وأبانت الفيضانات الأخيرة، التي استهدفت شمال المغرب، وعلى الخصوص مدينة القصر الكبير وضواحيها، عن حنكة وقوة تعاطي الدولة والمجتمع قاطبة مع الأزمات والكوارث. فكان الاحتواء السريع للخسائر، وكان الحضور القوي للقوات المسلحة الملكية نموذجا يحتذى به، بعد أن أثبتت، في كل أزمة، من ريان إلى الحوز إلى الفيضانات، قدرة كبيرة على الانتشار السريع، والتنظيم المحكم، والعمل في أصعب الظروف الجغرافية والمناخية.
لقد أظهرت هذه المآسي والكوارث أن قوة المغرب لا تكمن فقط في مؤسساته، بل في روح شعبه. إنه التضامن العاطفي بين المغاربة الذين حولوا مواجهة تحديات الطبيعة إلى دروس. وما مشاهد أشرطة الفيديو والصور التي توثق لإنسانية وتفاني وتضحيات رجال الإنقاذ والمتدخلين من كل الإدارات والقطاعات من عناصر الجيش الملكي ورجال الوقاية المدنية ورجال الدرك الملكي ورجال الأمن الوطني والقوات المساعدة وعناصر السلطات المحلية، الذين أبانوا عن المعدن الحقيقي للموظف العمومي، سوى دليل حي على ذلك.
حس إنساني عال
لقد كشفت مشاهد حمل عجزة وشيوخ على الأكتاف، وإنقاذ أطفال رغم صعوبة الوضع وسط الأوحال ومياه الفيضانات، والعمل بتفان وتجرد وحس إنساني عال، المعدن الحقيقي للمغاربة في الأزمات و الكوارث، بدون حاجة إلى أي مساعدات خارجية، إذ وظفت جميع المصالح آلياتها وعتادها ومواردها البشرية، فليس من السهل أن تنقذ سكان مدينة بأكملها وتجهز و تيسر لهم سبل العيش الكريم بالسرعة المعهودة والمطلوبة من إيواء وتطبيب وكساء وتغذية وتأمين حياتهم من خطر الفيضانات.


