أثار فيديو متداول للمدونة المغربية مايسة سلامة الناجي، جدلا واسعا، بعدما صرحت فيه بأنها تفطر في رمضان منذ أكثر من عشر سنوات، وعبرت عن انزعاجها من الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي، الذي ينص على معاقبة كل من عرف باعتناقه الإسلام وأفطر علنا في رمضان دون عذر شرعي، بعقوبة حبسية وغرامة.
النص يجرم الإفطار العلني تحديدا، لا مجرد عدم الصيام في حد ذاته. لكن التطور اللافت جاء بعد ذلك، حين علق المفتي حمزة الخالدي على الموضوع، معتبرا أن ما صدر عن مايسة سلامة الناجي يستوجب الحد، في إشارة إلى العقوبات الشرعية المنصوص عليها في الفقه التقليدي تجاه المجاهرة بالإفطار أو إنكار فرضية الصيام.
الخطاب الديني المتداول عبر الإنترنت
هذا التصريح فتح بابا أوسع من الجدل، لم يعد يتعلق فقط بالإفطار أو بالقانون 222، بل بطبيعة الخطاب الديني المتداول عبر الإنترنت، وحدود المسؤولية في استخدام مفاهيم فقهية ثقيلة في سياق معاصر.
في عصر المنصات المفتوحة، لم تعد الكلمة رأيا عابرا، بل أصبحت حدثا قائما بذاته. وفي هذا السياق الجديد، يصبح وزن الكلمات أثقل من رصاصات البنادق. الجدل حول تصريح مايسة سلامة الناجي لم يكن مفاجئا. قضايا الدين دائما حساسة، كأي قضية من قضايا الثالوث المقدس. لكن الأخطر من الجدل نفسه، هو اللغة التي رافقته. حين يقال عن شخص إن ما قام به “يستوجب الحد”، فإننا لسنا أمام توصيف أخلاقي بسيط، بل أمام مفهوم فقهي شديد الحمولة، يرتبط تاريخيا بعقوبات قصوى.
هذا المصطلح، في سياقه التراثي، لم يكن يطلق في فضاء مفتوح، بل ضمن منظومة قضائية صارمة، بشروط إثبات معقدة، وإجراءات دقيقة، وسلطة تنفيذ محددة. أما اليوم، فقد لوح بها المفتي والداعية حمزة الخالدي أمام كاميرا، وبثت عبر خوارزميات، لتصل إلى جمهور غير متجانس كما وصفه الأستاذ أحمد عصيد، متفاوت في الفهم، ومشحون أحيانا بالغضب والحساسية الدينية. وهو ما بدا جليا في التعاليق. وهنا يكمن الخطر. إن مايسة اليوم تضرب بسوط أفكار دافعت عنها ذات تاريخ. والتاريخ بطبعه لا ينسى.
من احتكار الدولة للعقاب إلى فوضى الرمزية
أحد أسس الدولة الحديثة هو احتكارها المشروع لاستخدام القوة وتنفيذ العقوبات. كل خطاب يلمح إلى عقوبة خارج هذا الإطار يضعف فكرة الدولة نفسها، حتى إن لم يكن ذلك مقصودا. الحديث عن “الحد” في سياق لا يعترف به القانون الوطني، ولا ينص عليه الدستور، يخلق ازدواجية مرجعية خطيرة: مرجعية قانونية رسمية ومرجعية عقابية رمزية متداولة عبر الإنترنت. ومتى وجدت مرجعيتان للعقاب، يضطرب السلم المجتمعي.
بالخشيبات: التطبيع مع لغة الإقصاء جريمة أخلاقية. الأخطر من التصريح ذاته، هو اعتياد هذا النوع من اللغة. حين يصبح من المألوف أن يقال عن مخالف في الرأي أو السلوك إنه “يستوجب إقامة الحد عليه”، فإن المجتمع ينتقل تدريجيا من منطق الحوار إلى منطق التصنيف والعقاب.
لغة الإقصاء تبدأ بالكلمات: فاسق، زنديق، يستوجب الحد. ومع الوقت، تتراكم هذه اللغة لتخلق مناخا نفسيا يرى في المخالف “مستحقا للعقوبة”، لا شريكا في المجال العام.
التاريخ يظهر أن العنف لا يبدأ بالفعل، بل يبدأ بإعادة تعريف الآخر كمستحق للعقاب. حماية المجتمع من حماية اللغة. قد نختلف حول الفصل 222. قد نختلف حول حرية الإفطار أو حدود الحرية الفردية. لكن ما لا ينبغي أن يكون محل خلاف هو أن خطاب التحريض، حتى حين يصاغ بمفردات تراثية، يحمل قابلية التحول إلى كارثة. الكلمة ليست مجرد صوت. هي إطار تفكير. وشرارة محتملة. وفي زمن تتسارع فيه العدوى الرقمية، تصبح مسؤولية الكلمة أكبر من أي وقت مضى. فالمجتمعات لا تنهار دفعة واحدة… بل تتآكل حين تفقد قدرتها على ضبط لغتها قبل ضبط أفعالها.
بقلم: صفاء بو الجداد (باحثة ومتخصصة في علم الاجتماع)


