حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

شهد ملف الصحراء المغربية خلال العقود الماضية مواجهة دبلوماسية حادة، حاولت الجزائر خلالها فرض رؤيتها للنزاع عبر توظيف إمكاناتها المالية والسياسية لدعم ما يسمى “جبهة البوليساريو“. وقد رصدت لهذا المسار موارد ضخمة قدرت بنحو 500 مليار دولار، صرفت في مجالات متعددة شملت الدعاية السياسية، والتحركات الدبلوماسية، ومحاولات استمالة مواقف دولية لصالح مشروع الانفصال.

غير أن التطورات التي شهدها المشهد الدولي في السنوات الأخيرة أظهرت أن هذه الاستراتيجية لم تحقق النتائج التي كانت تراهن عليها الجزائر، إذ تكشف المعطيات الدبلوماسية الراهنة أن الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” تراجع بشكل ملحوظ، ولم يعد يتجاوز 31 دولة فقط، ما يعني أن حوالي 84 في المائة من دول العالم لا تعترف بهذا الكيان.

تراجع الاعترافات يكشف هشاشة المشروع الانفصالي

وهذا الرقم لم يعد مجرد مؤشر إحصائي، بل تحول إلى دليل واضح على انحسار التأييد الدولي للمشروع الانفصالي. فخلال السنوات الأخيرة، اختارت العديد من الدول مراجعة مواقفها وسحب اعترافها بالكيان الذي تدعمه الجزائر، في مقابل تزايد التأييد للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها إطارا واقعيا لتسوية النزاع.

ويعكس هذا التحول تغيرا عميقا في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع هذا الملف، إذ لم تعد الخطابات الأيديولوجية التي تعود إلى مرحلة الحرب الباردة قادرة على إقناع القوى الكبرى، التي باتت تركز أكثر على الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية.

رهان جزائري على المال والدعاية

واعتمدت الجزائر طوال عقود، على سياسة تقوم أساسا على توظيف الموارد المالية والضغط السياسي من أجل الترويج لأطروحة الانفصال. وقد شمل ذلك تمويل حملات دبلوماسية وإعلامية واسعة النطاق، إضافة إلى دعم مباشر لجبهة البوليساريو في مختلف المحافل الدولية.

غير أن هذا النهج كشف مع مرور الوقت محدوديته، إذ أظهرت الوقائع أن الشرعية الدولية لا تُصنع عبر الإنفاق المالي أو عبر شراء المواقف، بل عبر بناء رؤية سياسية قابلة للتطبيق وتحظى بقبول المجتمع الدولي.

المغرب يراكم الدعم عبر الدبلوماسية الواقعية

في المقابل، اختار المغرب مسارا مختلفا في تدبير هذا الملف، قائما على العمل الدبلوماسي الهادئ وتعزيز الشراكات الاقتصادية مع دول إفريقيا والعالم. كما ركز على إطلاق مشاريع تنموية كبرى في الأقاليم الجنوبية، بهدف ترسيخ التنمية والاستقرار في المنطقة.

وتعد مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب أحد أبرز عناصر هذه المقاربة، إذ تطرح باعتبارها حلا سياسيا يضمن السيادة المغربية وفي الوقت نفسه يوفر آليات للحكم المحلي والتنمية الاقتصادية.

وقد ساهم هذا النهج في تعزيز الدعم الدولي للموقف المغربي، حيث باتت العديد من الدول والمؤسسات الدولية تعتبر المبادرة المغربية قاعدة جدية وواقعية للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع.

دعم محدود للكيان الانفصالي

في المقابل، يظل الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” مقتصرا على عدد محدود من الدول، من بينها الجزائر وإيران وجنوب إفريقيا ونيجيريا والمكسيك وكوبا وفنزويلا وكوريا الشمالية، إضافة إلى بعض الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية ذات التأثير المحدود في موازين القرار الدولي.

هذا الوضع يعكس تراجع الوزن السياسي للمشروع الانفصالي داخل المنظومة الدولية، خصوصا في ظل تزايد التأييد للمقاربة المغربية التي تجمع بين الحل السياسي والتنمية الاقتصادية.

تحول في موازين الملف دوليا

ولقد تمكن المغرب خلال السنوات الأخيرة من تحويل قضية الصحراء من ملف نزاع تقليدي إلى نموذج للدبلوماسية النشطة والمؤسساتية، حيث أصبح كل سحب للاعتراف بالكيان الانفصالي وكل دعم جديد لمبادرة الحكم الذاتي خطوة إضافية نحو حل نهائي للنزاع.

وفي المقابل، تبدو الجزائر اليوم عالقة في مقاربة تقليدية لم تعد تتماشى مع التحولات الجيوسياسية العالمية، إذ يستمر إنفاق الموارد المالية الضخمة دون تحقيق اختراق حقيقي على مستوى الشرعية الدولية.

ومع استمرار التحولات في مواقف الدول الكبرى والمؤسسات الدولية، يتضح أن منطق الواقعية السياسية والتنمية الاقتصادية أصبح العامل الحاسم في تحديد مستقبل هذا الملف، وهو ما يعزز من حضور الطرح المغربي في مقابل تراجع الرهان الجزائري على الأساليب القديمة.