في خضم الجدل الذي أثارته تدوينة الهيئة الديمقراطية لحقوق الإنسان، لم يعد النقاش مقتصرا على موقفها من المثلية الجنسية، بل تجاوز ذلك إلى مسألة مدى انسجام خطابها مع المبادئ التي يفترض أن تؤطر العمل الحقوقي. فحين ترفع هيئة شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنها تلتزم ضمنيا بمنظومة فكرية تقوم على حماية الاختلاف، لا على فرزه أو إقصائه.
غير أن ما صدر عنها، كما تم تداوله، يعكس انتقالا واضحا من لغة الحقوق إلى لغة الحكم القيمي، حيث يتم توصيف فئة من الناس بناء على ميولاتهم، وحرمانهم من أي مشروعية حقوقية. وهنا يتجلى التناقض: كيف يمكن لفاعل حقوقي أن يدافع عن الحريات في سياق، ثم يتحول إلى موقع يقوم ويدين في سياق آخر؟
بين المبدأ والواقع.. أزمة ثقة متصاعدة
هذا الوضع يجد صداه في مثل شعبي مغربي بليغ: “التينة تينتي، والروينة فدار القاضي”. وهو مثل يضرب عندما يختل ميزان العدل، فيصبح من يفترض فيه إنصاف الناس طرفا في الفوضى أو سبباً فيها. فالقاضي، رمز العدالة، إذا تحولت داره إلى “روينة”، ضاعت الثقة في الحكم نفسه. وبالقياس، فإن الهيئة الحقوقية، حين تتخلى عن دورها في حماية الجميع دون تمييز، وتتبنى خطابا إقصائيا، فإنها تضعف الأساس الذي تستمد منه مشروعيتها.
إن جوهر العمل الحقوقي لا يكمن في الدفاع عن الفئات التي تحظى بقبول اجتماعي، بل في حماية أولئك الذين قد يكونون عرضة للرفض أو التهميش. فالحقوق، في معناها العميق، لا توزع وفق معيار الشعبية أو الانسجام مع القيم السائدة، بل تمنح لكون الإنسان إنسانا، بصرف النظر عن اختلافه.
وما يفاقم الإشكال هو ازدواجية المعايير التي تبرز في مثل هذه المواقف: الدفاع عن حرية التعبير أو الكرامة الإنسانية في قضايا معينة، مقابل إنكار نفس المبادئ حين يتعلق الأمر بموضوع حساس كالميولات الفردية. هذه الانتقائية لا تضعف فقط مصداقية الخطاب، بل تفتح الباب أمام توصيفات قاسية من قبيل “النفاق الفكري”، أي التباين بين ما يعلن من مبادئ وما يمارَس فعليا.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن هذا التناقض يعكس أيضا توترا أوسع داخل المجتمع، بين مرجعية ثقافية محافظة ومنظومة حقوقية كونية. غير أن هذا التوتر، بدل أن يكون مبررا للانتقائية، يفترض أن يكون دافعاً نحو مزيد من الوضوح ، خاصة بالنسبة لهيئات تقدم نفسها كمدافعة عن الحقوق.
سؤال المصداقية في صلب النقاش
في النهاية، يظل السؤال الجوهري قائما: هل يمكن للخطاب الحقوقي أن يحتفظ بمصداقيته إذا لم يكن شاملا؟ الجواب الذي استقر عليه الفكر الحقوقي عبر الزمن هو أن الحقوق لا تتجزأ، وأن الدفاع عنها يفقد معناه عندما يتحول إلى موقف انتقائي. فإما أن تكون الحقوق للجميع، أو تتحول إلى مجرد شعار.
وبين المثل الشعبي وواقع النقاش، تبدو الخلاصة واضحة: حين تتحول “دار القاضي” إلى ساحة للروينة، لا يعود الخلل في الأطراف فقط، بل في الميزان نفسه.
بقلم: صفاء بولجداد (باحثة في السوسيولوجيا)


