حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

تستعد الجزائر لتمرير تعديل دستوري جديد عبر القنوات البرلمانية، دون اللجوء إلى استفتاء شعبي، في خطوة تعكس استمرار اعتماد مقاربة فوقية في تدبير القرارات المصيرية، رغم تقديم المشروع في الخطاب الرسمي كإصلاح تقني محدود، بينما تشير مضامينه إلى إعادة هيكلة عميقة لمراكز القرار داخل الدولة، خاصة في سياق سياسي حساس يسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

إعادة ضبط قواعد اللعبة السياسية

وتكشف القراءات السياسية أن هذا التعديل لا ينفصل عن رغبة واضحة في إعادة ضبط قواعد التنافس السياسي بشكل مسبق، بدل فتح المجال أمام تعددية حقيقية، حيث يتم التحكم في مداخل العملية الانتخابية وتوجيهها وفق حسابات السلطة، وهو ما يعكس توجها نحو تقليص هامش المنافسة وإعادة إنتاج نفس التوازنات القائمة.

ومن أبرز ملامح المشروع إعادة توزيع أدوار الإشراف على الانتخابات، عبر إسناد تنظيم العملية للإدارة العمومية، مقابل تقليص دور الهيئة المستقلة إلى وظيفة رقابية محدودة، وهو تحول ينظر إليه كعودة مباشرة إلى مركزية القرار الانتخابي، بما يعيد طرح إشكالية نزاهة الاستحقاقات في ظل غياب ضمانات قوية للاستقلالية.

تعزيز صلاحيات الرئاسة

كما تتجه التعديلات إلى توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية بشكل لافت، خاصة فيما يتعلق بالتحكم في الروزنامة الانتخابية والدعوة إلى انتخابات محلية مسبقة، ما يمنح المؤسسة الرئاسية قدرة أكبر على توجيه المشهد السياسي، إلى جانب إدراج شروط جديدة للترشح، مثل شرط الشهادة الجامعية، الذي قد يتحول إلى آلية لإقصاء فاعلين سياسيين.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يعكس نقل أداء اليمين من المحكمة الدستورية إلى البرلمان إعادة ترتيب رمزية السلطة بما يعزز مركزية القرار، في وقت يتم فيه إضعاف أدوار مؤسسات أخرى، ما يخل بمبدأ التوازن بين السلط.

القضاء تحت الضغط التنفيذي

ويعد تقليص صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء من أبرز النقاط المثيرة للجدل، حيث يؤدي هذا التوجه إلى تركيز سلطة التعيين في يد رئيس الجمهورية، وهو ما يطرح تساؤلات حول استقلالية القضاء وقدرته على أداء دوره الرقابي، في ظل هيمنة السلطة التنفيذية.

وفي المحصلة، تعكس هذه التعديلات توجها نحو إعادة إنتاج نفس النموذج السياسي القائم على تركيز السلطة، بدل الدفع نحو إصلاحات عميقة تعزز التوازن المؤسساتي، ما يجعل الدستور أداة لإعادة توزيع النفوذ داخل دائرة ضيقة، بدل أن يكون إطارا ضامنا للديمقراطية.

أزمة ثقة ومشهد سياسي جامد

كما أن تمرير هذه التعديلات دون نقاش عمومي واسع يعكس أزمة ثقة بين السلطة والمجتمع، ويؤكد أن مسار الإصلاح لا يزال محكوما بمنطق التحكم المركزي، في وقت تبدو فيه الجزائر أمام مشهد سياسي يعيد إنتاج نفسه رغم تغير النصوص.