حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

في مشهد يثير الكثير من القلق داخل الحقل الديني بالمغرب، تفجرت تطورات غير مسبوقة داخل الزاوية القادرية البودشيشية بمداغ، بعدما تحول المسجد الكبير، المصنف رسميا كمسجد جامع بقرار وزاري، إلى ساحة توتر وصراع، وسط اتهامات مباشرة لمحيط منير القادري البودشيشي بالوقوف وراء تعطيل إقامة صلاة الجمعة ومنع المصلين من أداء شعائرهم.

وتكتسي الواقعة خطورة مضاعفة بالنظر إلى وجود سند قانوني واضح، يتمثل في قرار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية رقم 418/2019، الذي رخص بإقامة صلاة الجمعة بالمسجد الكبير ابتداء من 13 دجنبر 2019، بتوقيع مديرية المساجد التابعة لوزارة الأوقاف. غير أن ما يجري على أرض الواقع يعكس، بحسب معطيات متطابقة، واقعا مغايرا تماما، حيث تم إغلاق المسجد ومنع إقامة هذه الشعيرة المركزية في الإسلام.

مواجهات واعتداءات داخل فضاء يفترض فيه السلم

وتحدثت شهادات متطابقة عن مواجهات مباشرة داخل محيط المسجد، بعدما حاول فقراء ومريدو الزاوية القادرية البودشيشية إدخال منبر الخطبة إلى المسجد المذكور، تمهيدا لإقامة صلاة الجمعة، غير أنهم جوبهوا بمنع شديد، تطور إلى سب وشتم، بل واعتداءات جسدية وتهديدات، راج أن أحد المقربين من محيط منير القادري البودشيشي كان وراءها.

هذا المشهد، الذي يفترض أن يكون بعيدا عن بيوت الله، يعكس تحول الفضاء الديني إلى مجال صراع نفوذ، بدل أن يظل مجالا للعبادة والسكينة.

اتهامات بتخريب المسجد لإغلاقه

والأخطر في هذه القضية، وفق المعطيات المتداولة، هو لجوء بعض الأطراف إلى إحداث أضرار داخلية بالمبنى، بدعوى وجود تشققات، في خطوة اعتبرت تمهيدا لإعلان المسجد آيلا للسقوط، ومن ثم فرض إغلاقه بشكل نهائي، بما يمنع إقامة صلاة الجمعة.

القرار، الذي نسبته مصادر إلى توجهات يقودها منير القادري البودشيشي، شقيق معاذ القادري البودشيشي، شيخ الزاوية القادرية البودشيشية، لم يقنع عددا من المتابعين، خاصة وأن مبرر “التشققات” يفقد وجاهته حين يستعمل الفضاء نفسه لتنظيم مأدبة احتفالية، ما يطرح علامات استفهام حول خلفيات الإغلاق الحقيقية.

ويطرح هذا السلوك تساؤلات عميقة حول توظيف مبررات تقنية لتبرير قرارات ذات خلفيات تنظيمية أو صراعية داخل الزاوية. كما يطرح سؤالا قانونيا مباشرا، هل يملك أشخاص أو جهات غير مختصة صلاحية إعلان مسجد “غير صالح” أو “آيلا للسقوط”؟ أم أن هذا الاختصاص يبقى حصريا بيد السلطات المعنية، وعلى رأسها وزارة الأوقاف والجهات التقنية المختصة؟ أليس في ذلك خرق صريح للقانون وتعد واضح على اختصاصات الدولة في تدبير بيوت الله؟

أين وزارة الأوقاف؟

وأمام هذه التطورات، تتجه الأنظار نحو أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، باعتباره المسؤول الأول عن تدبير الشأن الديني، ومدى علمه بما يقع داخل مسجد مرخص له رسميا بإقامة الجمعة.

فهل تملك الوزارة معطيات دقيقة حول ما يحدث؟ وهل سمحت، بشكل مباشر أو غير مباشر، بتعطيل قرار إداري صادر عنها؟ أم أن الأمر يتعلق بتجاوزات محلية تستدعي تدخلا عاجلا لإعادة الأمور إلى نصابها؟

وتزداد حدة الانتقادات عندما تشير معطيات متداولة إلى إقدام منير القادري البودشيشي، الذي يعتبر نفسه الأحق بالمشيخة من أخيه الأصغر، على تنظيم مأدبة داخل نفس المسجد الذي منعت فيه صلاة الجمعة، في سلوك يطرح مفارقة صادمة. إذ كيف يغلق بيت من بيوت الله في وجه المصلين، ثم يفتح لأغراض لا تمت بصلة لوظيفته الأصلية؟

ويكشف هذا التحول عن استهانة واضحة بحرمة المسجد، وتحويله من فضاء للخشوع والعبادة إلى ما يشبه قاعة مناسبات، وهو ما يضع تصرفات منير القادري البودشيشي تحت مجهر نقدي صارم، باعتبارها تعكس انزياحا خطيرا عن القيم الدينية التي يفترض أن تمثلها الزوايا.

مسؤولية السلطات الأمنية والإدارية

وحال تدخل السلطات، وفق المصادر، دون تفاقم الوضع، غير أن استمرار هذه التوترات يضع وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية أمام مسؤولية واضحة لضمان حماية أماكن العبادة ومنع أي اعتداء على المصلين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشعيرة جماعية كصلاة الجمعة.

فالدولة، التي تحتكر تنظيم المجال الديني، مطالبة اليوم بإظهار الحزم في مواجهة أي محاولة لفرض أمر واقع خارج الإطار القانوني.

بين الروحي والسياسي: انحراف عن الوظيفة الأصلية

وتكشف القضية، في عمقها، عن تحول خطير في بعض الزوايا، من فضاءات روحية تربوية إلى مراكز نفوذ وصراع داخلي، تستعمل فيها أدوات الضغط والتحكم، حتى ولو كان الثمن تعطيل شعائر دينية. وهو ما يطرح سؤالا أكبر حول مستقبل التوازن الذي حرص المغرب على بنائه بين الزوايا والمؤسسة الدينية الرسمية، في إطار إمارة المؤمنين، كضامن لوحدة المذهب وحماية الممارسة الدينية من الانحرافات.

في المحصلة، ما يجري بمداغ لا يمكن اختزاله في خلاف داخلي عابر، بل هو اختبار حقيقي لهيبة الدولة في تدبير الشأن الديني، ولقدرتها على فرض احترام القانون داخل بيوت الله، بعيدا عن منطق النفوذ أو الولاءات الضيقة.