كشف تقرير تحليلي حديث صادر عن الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة عن اختلالات بنيوية عميقة تعيق تطور النسيج المقاولاتي بالمغرب، رغم كونه يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، في ظل مؤشرات مقلقة ترتبط بالتمويل، والإفلاس، والهشاشة الهيكلية.
وأوضح التقرير أن عدد المقاولات بالمغرب يبلغ 4.185.580 مقاولة، تشكل المقاولات الصغيرة جدا منها حوالي 97%، غير أن أقل من 5% فقط تستفيد من التمويل البنكي، ما يعكس إقصاء ماليا واسعا. كما أظهرت المعطيات أن 70% من هذه المقاولات لا تصمد لأكثر من 3 إلى 5 سنوات، بينما تفتقر 80% منها إلى حضور رقمي فعلي رغم اتصالها بالإنترنت.
إفلاسات متسارعة خلال أربع سنوات
وسجل التقرير تصاعدا مقلقا في حالات الإفلاس، حيث بلغ عدد المقاولات التي أغلقت أبوابها بين 2022 و2025 حوالي 150 ألف مقاولة، 99% منها مقاولات صغيرة جدا. وتوزعت هذه الإفلاسات على 25 ألفاً سنة 2022، و33 ألفا سنة 2023، و40 ألفا سنة 2024، و52 ألفاً سنة 2025، ما يعكس ارتفاعا بنسبة 108%، بمعدل إفلاس مقاولة صغيرة جدا كل عشر دقائق.
في المقابل، أظهرت المعطيات أن حوالي 41% من المقاولات الصغيرة جدا، أي ما يقارب 1,7 مليون وحدة، تنشط في القطاع غير الرسمي، بينما يشتغل 77,3% من السكان النشيطين في القطاع غير المهيكل، ما يعكس اتساع هذا النشاط وتأثيره على التوازنات الاقتصادية.
بطالة مرتفعة ومخاطر اجتماعية
وسجل التقرير ارتفاع معدل البطالة إلى أكثر من 13%، مع تجاوز بطالة الشباب 50% في الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، فيما تجاوزت البطالة في الوسط الحضري 16%، خاصة مع تمركز الإفلاسات في المدن الكبرى.
ويرجع الإقصاء البنكي، وفق التقرير، إلى غياب الضمانات، وضعف الهيكلة المحاسبية، وعدم ملاءمة المنتجات البنكية لخصوصيات هذه المقاولات. كما أن أقل من 15% منها تتعامل مع مقاولات كبرى، ولا تتجاوز حصتها في الصفقات العمومية 10% رغم تخصيص نسبة نظرية تصل إلى 20%، ما يؤدي إلى خسارة سنوية تقدر بـ30 مليار درهم.
تأخيرات الأداء تعمق الأزمة
وسجل التقرير أن أكثر من 50% من المقاولات الصغيرة جداً تعاني من تأخيرات في الأداء تتجاوز 90 يوما، وهو ما يتسبب في حوالي 50% من حالات الإفلاس بسبب ضعف السيولة المالية.
ورغم توفر الإنترنت، فإن 80% من المقاولات تفتقر إلى حضور رقمي منظم، بينما لا تتجاوز نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي 5%، ما يعمق الفجوة التكنولوجية ويحد من فرص النمو.
كما رصد التقرير صعوبات أخرى، من بينها معاناة أكثر من 60% من المقاولات في الولوج إلى العقار الاقتصادي، وافتقار أكثر من 70% من المسيرين لتكوين هيكلي، في حين لا تتجاوز نسبة المقاولات المصدرة 10%.
حلقة مفرغة نحو الإفلاس
ويرى التقرير أن هذه العوامل تندرج ضمن مسار متكامل يبدأ بالإقصاء البنكي، يليه اللجوء إلى القطاع غير الرسمي، ثم التأخر الرقمي، فالإقصاء من الأسواق، لينتهي بالإفلاس.
ويؤدي استمرار هذا الوضع إلى خسائر كبيرة تشمل تراجع الإيرادات الضريبية، وتفكك النسيج الاقتصادي المحلي، وتآكل الطبقة الوسطى، إلى جانب فقدان فرص الشغل.
مقترحات لإصلاح شامل
ويقترح التقرير أربعة محاور إصلاحية تشمل تطوير أدوات رقمية، وإحداث تجمعات اقتصادية، وإعداد كتاب أبيض للإصلاح الجبائي والتمويلي، وضمان تمثيلية مؤسساتية لهذه المقاولات. كما يدعو إلى ربطها بالمقاولات الكبرى، وتقليص آجال الأداء إلى 30 يوماً، وتقديم تسبيقات مالية.
ويخلص التقرير إلى أن إصلاح وضعية المقاولات الصغيرة جدا أصبح ضرورة ملحة لضمان نمو اقتصادي مستدام، مشيرا إلى أن الأيام الوطنية الأولى لهذه المقاولات، المرتقبة يومي 27 و28 يونيو 2026، ستكون محطة لفتح نقاش وطني حول مستقبل هذا القطاع.


