المنع السينمائي في المغرب: مقصلة “النظام العام” وعقدة الصورة: هل تضيق قاعات السينما بمبدعيها؟
مرة أخرى، يجد الفن السابع بالمغرب نفسه في مواجهة مباشرة ليس مع النقد الجمالي، بل مع “المساطر القانونية” وبلاغات الجمعيات التي نصبت نفسها حارساً للفضيلة. إحالة المقطع الترويجي لفيلم “المطرود من رحمة الله” (Thank You Satan) على النيابة العامة بالدار البيضاء، يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل نعيش عصر “الردة الإبداعية” تحت مسمى حماية المقدسات؟
هشام العسري: “أحضروا لي البرتقال والكتب!”
في تعليق مقتضب لكنه مشبع بالدلالات والتهكم السوداوي، تفاعل المخرج هشام العسري مع خبر الإحالة القضائية للفيلم، واضعاً حرية الإبداع في كفة، والمصير “الاعتقالي” في كفة أخرى. حيث كتب عبر حسابه: “أرجوكم، أحضروا لي البرتقال والكتب إذا ذهبتُ إلى السجن!”
هذه العبارة، رغم بساطتها، تلخص الرعب الذي بات يعيشه المبدع المغربي؛ حيث تتحول “الكاميرا” إلى تهمة، ويصبح الخيال السينمائي مادة دسمة لمحاضر الضابطة القضائية. العسري هنا لا يتحدث عن نفسه فقط، بل عن مهنة أصبحت تمشي على حبل مشدود بين سقف الإبداع وقبضة الرقابة.
سينما “الممنوع”.. تاريخ من الصدام مع “الخطوط الحمراء”
قضية فيلم “المطرود من رحمة الله” ليست بدعة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الصدامات التي انتهت بـ”المنع” قبل الوصول إلى الجمهور. وتاريخ المركز السينمائي المغربي شاهد على نماذج سُحبت من العرض أو مُنعت من الأصل: فيلم “الزين لي فيك” (Much Loved) لنبيل عيوش: المنع الأشهر الذي تجاوز ردهات المركز السينمائي ليصبح قضية رأي عام، حيث مُنع بدعوى “الإساءة للقيم الأخلاقية للمرأة المغربية”.
وظل يقرنص ويشارك في سرية ككل الأفلام التي يختلي المشاهد بنفسه ويغلق الأبواب قبل أن يستسلم لغوايتها.
فيلم “خروج الآلهة والملوك” (Exodus): الذي واجه المنع في القاعات المغربية لأسباب دينية صرفة تتعلق بتجسيد الذات الإلهية، مما أثار جدلاً دولياً حول سقف التسامح الفني في البلاد.
فيلم “خلف أشجار النخيل”: الذي أشارت إليه جمعية “ربيع السينما” نفسها في بلاغها الأخير كنموذج لنجاح مساعيها الرقابية، بعد اتهامه بتضمين مشاهد مخلة في موقع العمل.
بين “النظام العام” وحرية التعبير
تستند الشكاية الحالية ضد فيلم “المطرود من رحمة الله” إلى مفهوم “النظام العام” و”حماية المقدسات”. لكن الإشكال يكمن في “مطاطية” هذه المفاهيم؛ فمن يملك سلطة تحديد ما هو “صادم” وما هو “فني”؟ وهل يمكن لعمل “تخييلي” أن يهدد تماسك المجتمع لمجرد أنه يطرح تساؤلات قاسية أو يستخدم رموزاً دينية في سياق درامي؟
إن إحالة الملف على الوكيل العام للملك قبل عرض الفيلم (المقرر في 8 أبريل)، يكرس نوعاً من “الرقابة القبلية” التي تخنق المبدع وتصادر حق الجمهور في المشاهدة والحكم. السينما المغربية التي بدأت تحقق إشعاعاً دولياً، تجد نفسها اليوم محاصرة داخل “غرفة العمليات” القانونية، حيث يُحاكم “المجاز” بمنطق “الجنايات”.
إن الاستجابة لمطالب المنع قد تُرضي بعض الأصوات المحافظة، لكنها تضع صورة المغرب كبلد حداثي في مأزق حقيقي. فالمنع في عصر “التدفق الرقمي” لم يعد يقتل الفيلم، بل يمنحه “قدسية” الممنوع ويجعله الأكثر مشاهدة خلف الستار، بينما الخاسر الأكبر هو الفن الذي يطمح لأن يكون مرآة للمجتمع، لا مجرد “برشور” سياحي مهذب.


