لم تكن القيادة الجزائرية تتوقع أن تتحول الضربات التي استهدفت محيط مدينة السمارة إلى أزمة دبلوماسية بهذا الحجم، بعدما فتحت الهجمات الباب أمام موجة مواقف دولية غير مسبوقة وضعت جبهة البوليساريو في خانة التنظيمات المهددة للاستقرار الإقليمي، ودفعت الجزائر نفسها إلى واجهة الاتهام السياسي والأمني باعتبارها الحاضن الرئيسي للجبهة فوق أراضيها.
فالحدث لم يقرأ هذه المرة باعتباره مجرد “خرق ميداني” داخل نزاع إقليمي طويل، بل كتحول خطير في طبيعة تحركات الجبهة المسلحة، خاصة بعد استهداف مناطق مدنية وإثارة حالة من الرعب وسط السكان، وهو ما جعل عواصم غربية وعربية تتعامل مع الواقعة بمنطق أمني صارم، بعيداً عن اللغة الدبلوماسية الرمادية التي كانت تطغى في السابق على هذا الملف.
ارتباك داخل قيادة الانفصاليين
وفي خضم هذا التصعيد، خرج زعيم الجبهة إبراهيم غالي برسالة احتجاج إلى أنطونيو غوتيريش، هاجم فيها الدول التي أدانت الهجمات، معتبرا أن مواقفها “منحازة” و”مضللة”، غير أن مضمون الرسالة حمل تناقضا واضحا، إذ حاول تبرير العمليات العسكرية تحت شعار “الدفاع المشروع”، ما اعتبر بمثابة تبن سياسي مباشر للهجمات بدل نفيها أو التنصل منها.
وكشف هذا التحرك، بحسب متابعين، حجم الصدمة التي تلقتها قيادة “البوليساريو” بعد أن اكتشفت أن الرهان على التصعيد العسكري لم يحقق أي مكسب سياسي، بل سرع عملية تآكل صورتها داخل المنتظم الدولي، خصوصا مع تزايد الربط بين أنشطتها المسلحة ومظاهر عدم الاستقرار بمنطقة الساحل والصحراء.
واشنطن تغير قواعد اللعبة
والمنعطف الأخطر في هذه الأزمة جاء من واشنطن، التي تبنت خطابا أكثر وضوحا من أي وقت مضى تجاه تحركات الجبهة الانفصالية، بعدما اعتبرت الهجمات تهديدا مباشرا للاستقرار وفرص السلام في المنطقة.
لكن الرسالة الأمريكية لم تتوقف عند حدود الإدانة، بل حملت أيضا إشارات قوية نحو الجزائر، خصوصا عندما تحدثت عن “الأطراف التي تعرقل جهود السلام”، في صيغة فهم منها أن الإدارة الأمريكية بدأت تنظر إلى الجزائر ليس كـ”طرف مراقب”، بل كفاعل رئيسي يتحمل جزءا من مسؤولية التصعيد.
كما أن صدور مواقف مماثلة من دول أوروبية وخليجية يعكس أن التحول لم يعد ظرفيا أو معزولا، بل أصبح توجها دوليا متصاعدا يعيد رسم صورة النزاع بشكل مختلف، عنوانه أن استمرار العمل المسلح لم يعد مقبولا تحت أي غطاء سياسي أو انفصالي.
الجزائر أمام مأزق سياسي حقيقي
ووضعت التطورات الأخيرة النظام الجزائري في زاوية حرجة، لأنه بات عاجزا عن الجمع بين أمرين متناقضين، الاستمرار في دعم “البوليساريو” من جهة، وتفادي التورط في صورة الدولة الداعمة لتنظيمات مسلحة من جهة أخرى.
ويزداد هذا القلق مع تصاعد النقاش داخل المؤسسات الأمريكية حول إمكانية تصنيف الجبهة تنظيما إرهابيا، وهو احتمال تعتبره دوائر سياسية جزائرية كابوسا دبلوماسيا حقيقيا، لأن أي خطوة من هذا النوع ستضع الجزائر مباشرة تحت ضغط دولي غير مسبوق، بحكم استضافتها للجبهة وتوفيرها الغطاء السياسي والعسكري لها منذ عقود.
ويرى مراقبون أن الجزائر بدأت تدرك أن التحولات الجيوسياسية الجديدة لم تعد تسمح باستمرار “المناطق الرمادية” التي كانت تستفيد منها بعض الحركات الانفصالية، خاصة في ظل الربط الدولي المتزايد بين الانفصال والفوضى الأمنية والإرهاب العابر للحدود.
مؤشرات على تضييق جزائري داخلي
ومن بين أبرز المؤشرات التي عكست هذا الارتباك، ظهور تسجيلات لعناصر انفصالية يشتكون من تشديد السلطات الجزائرية لإجراءات التنقل نحو المناطق العازلة شرق الجدار الأمني، في مشاهد غير معتادة داخل خطاب الجبهة.
وأوحت هذه التطورات بأن الجزائر بدأت فعليا في مراجعة هامش الحرية الذي كانت تمنحه لتحركات “البوليساريو”، خوفا من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى تعقيد وضعها الدولي بشكل أكبر.
ويبدو أن النظام الجزائري بات أكثر حذرا من أي مواجهة مفتوحة قد تستغلها القوى الغربية لإعادة طرح ملف علاقته بالجبهة من زاوية أمنية، خاصة مع تنامي التحذيرات الدولية من خطر توسع بؤر التوتر في الساحل والصحراء.
الحكم الذاتي يفرض نفسه دوليا
في المقابل، عززت الأزمة الأخيرة موقع المقترح المغربي للحكم الذاتي، بعدما جددت عدة عواصم كبرى دعمها لهذا الطرح باعتباره الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
كما أن تصريحات المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا التي شددت على أولوية الحوار ورفض التصعيد العسكري، تعكس أن الأمم المتحدة نفسها باتت أكثر اقتناعا بأن الحل لا يمكن أن يمر عبر منطق السلاح والاستفزازات الميدانية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الجزائر تواجه اليوم واحدة من أصعب مراحل هذا النزاع، بعدما تحولت الورقة التي استخدمتها لسنوات كورقة ضغط إقليمية إلى عبء سياسي ودبلوماسي متزايد، وسط تضاؤل هامش المناورة أمام الخطاب الانفصالي وتنامي القناعة الدولية بأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل المخرج الوحيد القادر على ضمان الاستقرار بالمنطقة.


