حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تشهد العلاقات الأمنية بين المغرب وموريتانيا خلال الأسابيع الأخيرة تطورا لافتا، في ظل تحركات ميدانية متسارعة تهدف إلى تشديد مراقبة الحدود والمسالك الصحراوية الحساسة، وهو ما وضع الجزائر وجبهة “البوليساريو” أمام واقع أمني جديد يحد بشكل واضح من هامش التحرك داخل المنطقة العازلة الممتدة قرب الصحراء المغربية.

وتفيد معطيات متطابقة بأن السلطات الموريتانية رفعت من مستوى اليقظة الأمنية على طول المناطق الحدودية، خصوصا تلك التي تنشط فيها شبكات التنقيب غير النظامي عن الذهب، بعدما تحولت خلال السنوات الماضية إلى فضاءات مفتوحة استغلتها عناصر مرتبطة بجبهة “البوليساريو” للتنقل والتحرك تحت غطاء أنشطة مدنية، في مشهد يعكس حجم الفوضى التي ساهمت الجزائر في تغذيتها داخل المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي.

ارتباك جزائري بعد التحرك الموريتاني

ووفق مصادر مطلعة على الملف الأمني بالمنطقة، فإن الإجراءات الجديدة التي باشرتها نواكشوط أثارت انزعاجا داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية، التي وجدت نفسها أمام تضييق غير مسبوق على التحركات المرتبطة بالجبهة الانفصالية قرب الحدود الموريتانية.

وتقاطعت المعطيات ذاتها حول وجود اتصالات مباشرة بين قيادات عسكرية جزائرية وموريتانية، بمبادرة من رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أول السعيد شنقريحة، في محاولة لفهم خلفيات التحركات الموريتانية الجديدة، خاصة بعد تشديد الرقابة على المعابر والمسالك الصحراوية التي ظلت لسنوات تشكل متنفسا لعناصر البوليساريو وتحركاتها المشبوهة.

ويرى مراقبون أن الجزائر باتت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن العديد من دول المنطقة لم تعد مستعدة لتحمل تبعات مشروع انفصالي يستنزف الاستقرار الإقليمي ويهدد الأمن الحدودي، خصوصا في ظل تصاعد المخاطر الإرهابية والجريمة العابرة للحدود بمنطقة الساحل.

تحذيرات موريتانية للمنقبين عن الذهب

وفي خطوة تعكس حجم التحول الأمني الجاري، أبلغت السلطات الموريتانية المنقبين التقليديين عن الذهب بضرورة الابتعاد عن المناطق المحاذية للأراضي الخاضعة للسيادة المغربية، مع التحذير من مخاطر الاقتراب من مناطق التوتر أو استغلال المسالك غير القانونية.

وتأتي هذه التحذيرات في ظل اعتماد القوات المسلحة الملكية بشكل متزايد على الطائرات المسيرة وتقنيات المراقبة الحديثة لرصد التحركات المشبوهة قرب الجدار الأمني، وهو ما أربك بشكل كبير تحركات عناصر البوليساريو المسلحة التي اعتادت استغلال الطبيعة الصحراوية المفتوحة لتنفيذ عمليات تسلل واستفزازات متفرقة.

الجزائر تدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر

ويرى متابعون أن الأزمة الحالية تكشف مجددا حجم المأزق الذي وضعت الجزائر نفسها فيه بسبب استمرارها في دعم جبهة انفصالية مسلحة، بدل الانخراط في مقاربة واقعية قائمة على التعاون الإقليمي والاستقرار الاقتصادي والأمني.

فالسلطات الجزائرية، التي تواصل إنفاق مليارات الدولارات على ملف الصحراء المغربية، تجد نفسها اليوم أمام تراجع واضح في هامش المناورة، بالتزامن مع اتساع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وتزايد القناعة الإقليمية بأن استمرار النزاع يخدم شبكات التهريب والجماعات المسلحة أكثر مما يخدم أي حل سياسي واقعي.

كما أن الربط المتزايد بين تحركات البوليساريو وبعض المسالك المستعملة في التهريب والتنقل غير القانوني بدأ يثير مخاوف متنامية لدى عدد من دول الساحل، التي باتت تعتبر أن أي انفلات أمني قرب الحدود قد يتحول إلى تهديد مباشر لاستقرارها الداخلي.

تنسيق أمني متصاعد بين الرباط ونواكشوط

وتؤكد المعطيات المتوفرة أن التنسيق المغربي الموريتاني عرف خلال الفترة الأخيرة تطورا كبيرا، سواء على مستوى تبادل المعلومات الأمنية أو عبر رفع مستوى الجاهزية بالمناطق الحدودية الحساسة.

كما جاء هذا التقارب بعد التطورات الأمنية التي شهدتها مدينة السمارة خلال الأشهر الماضية، والتي دفعت الرباط إلى تعزيز مراقبة التحركات القادمة من المسالك الصحراوية المفتوحة، وسط ترجيحات باستغلال بعض شبكات التنقيب غير النظامي لتنفيذ عمليات تسلل تحت غطاء مدني.

وفي هذا السياق، تسعى نواكشوط إلى تفادي أي توريط لموريتانيا في التوترات المرتبطة بتحركات البوليساريو، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الدولية على الجبهة الانفصالية، وعودة النقاش داخل الأوساط الأمريكية بشأن إمكانية تصنيفها تنظيماً إرهابياً إذا استمرت في التصعيد العسكري ورفض الحلول السياسية الواقعية.

لقاء عسكري على الحدود الجزائرية الموريتانية

وفي سياق التحركات الأمنية الجارية، أعلنت وزارة الدفاع الموريتانية عن عقد لقاء ميداني يوم 17 ماي 2026 بين قائد المنطقة العسكرية الثانية في الجيش الموريتاني العقيد الشيخ سيدي بوي السالك، وقائد القطاع العملياتي الجنوبي بتندوف في الجيش الجزائري اللواء كمال مراجي، على مستوى الشريط الحدودي المشترك.

وخصص الاجتماع، وفق تقارير محلية، لتقييم الوضع الأمني وبحث سبل تعزيز التعاون الحدودي، مع التركيز على مكافحة التهريب والتنقيب غير النظامي والهجرة السرية، إلى جانب مراقبة التحركات المشبوهة داخل المنطقة الحدودية.

غير أن مراقبين يعتبرون أن الجزائر تحاول من خلال هذه التحركات احتواء تداعيات العزلة المتزايدة التي تواجهها إقليميا، بعدما أصبحت العديد من العواصم الإفريقية تنظر إلى استمرار النزاع المفتعل حول الصحراء باعتباره عبئا أمنيا يعرقل التنمية والاستقرار في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي.