رغم دخول مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية حيز التنفيذ، لا تزال عدة مؤشرات توحي بأن الطريق نحو التطبيق الكامل للاتفاق لن يكون سهلا، في ظل استمرار الجدل بشأن وضعية مضيق هرمز وتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. فبعد أيام من الإعلان عن التفاهم الذي قدم باعتباره مدخلا لإنهاء الحرب بين واشنطن وطهران، برزت على الأرض معطيات جديدة أعادت طرح تساؤلات حول مدى التزام مختلف الأطراف ببنوده.
الحرس الثوري يواصل فرض التنسيق بالمضيق
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن السفن الراغبة في عبور مضيق هرمز ما تزال مطالبة بالحصول على تنسيق مسبق مع قوات الحرس الثوري الإيراني، رغم بدء تنفيذ مذكرة التفاهم. وأكد مراسل التلفزيون الرسمي الإيراني، خلال بث مباشر من المنطقة، أن هذا الإجراء لا يزال ساريا وتواصله القوات البحرية التابعة للحرس الثوري في إدارة حركة الملاحة داخل المضيق.
وكان من المفترض، وفق ما تم الإعلان عنه عند التوصل إلى التفاهم بين الجانبين، أن تتم إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية الدولية بالتزامن مع رفع الحصار البحري الذي كانت الولايات المتحدة تفرضه على الموانئ الإيرانية، غير أن استمرار هذه الإجراءات أثار نقاشا واسعا حول طبيعة الترتيبات الانتقالية التي ترافق تنفيذ الاتفاق.
الضربات الإسرائيلية تعيد التوتر إلى الواجهة
وفي موازاة ذلك، اعتبرت وكالة “تسنيم” الإيرانية أن الغارات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي اللبنانية تمثل خرقا مباشرا لمضامين التفاهم، مشيرة إلى أن مسألة الإبقاء على بعض القيود المرتبطة بالمضيق تظل مطروحة ما دام التصعيد العسكري مستمرا على الجبهة اللبنانية.
وكانت الساعات التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق قد شهدت مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين في هجومين إسرائيليين استهدفا جنوب لبنان، ما أعاد الجدل بشأن قدرة الاتفاق على فرض التهدئة في مختلف الجبهات التي شملها التفاهم.
“مذكرة إسلام أباد” تنهي الحرب رسميا
وكان الوسيط الباكستاني قد أعلن، الأربعاء، توقيع الولايات المتحدة وإيران إلكترونيا على ما سمي بـ”مذكرة تفاهم إسلام أباد”، التي تهدف إلى وضع حد للحرب التي اندلعت بين الطرفين منذ 28 فبراير الماضي. ودخلت المذكرة حيز التنفيذ بشكل فوري، ونصت مرحلتها الأولى على إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري عن إيران.
كما سبق للولايات المتحدة وإيران وباكستان أن أعلنت، الأحد الماضي، التوصل إلى تفاهم شامل يقضي بإنهاء الحرب ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، غير أن التطورات الميدانية التي أعقبت ذلك أظهرت أن تنفيذ هذه البنود ما يزال يواجه تحديات معقدة.
خامنئي يمنح الضوء الأخضر مع التحفظ
وفي أول موقف رسمي له بعد توقيع الاتفاق، أعلن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي موافقته على مذكرة التفاهم، مؤكدا في رسالة مكتوبة أنه كان يحمل تصورا مختلفا بشأنها، لكنه وافق في نهاية المطاف على المضي في تنفيذها.
وشدد خامنئي على أن المفاوضات المباشرة المرتقبة مع الولايات المتحدة لا تعني الإذعان للطرف الآخر أو التخلي عن الثوابت الإيرانية، في إشارة إلى استمرار الخلافات الجوهرية بين البلدين رغم الانتقال إلى مرحلة الحوار السياسي.
مفاوضات نووية تمتد ستين يوما
ولا تزال تفاصيل المرحلة المقبلة من الاتفاق غير واضحة بشكل كامل، خصوصا ما يتعلق بالمفاوضات المحددة في ستين يوما قابلة للتمديد. وأوضح نائب الرئيس الأمريكي أن هذه الفترة بدأت رسميا الخميس عقب توقيع المذكرة، مشيرا إلى احتمال انتقاله إلى سويسرا خلال الأيام المقبلة للمشاركة في المحادثات المرتقبة.
ومن المنتظر أن تركز هذه المفاوضات على البرنامج النووي الإيراني والقضايا الأمنية والاقتصادية المرتبطة به، بعدما خلفت الحرب الأخيرة آلاف الضحايا في إيران ولبنان وتسببت في اضطرابات اقتصادية عالمية واسعة.
عودة تدريجية لحركة الملاحة
بالتزامن مع هذه التطورات، بدأت حركة الملاحة البحرية تستعيد نشاطها تدريجيا في مضيق هرمز، حيث أعلن نائب الرئيس الأمريكي أن الجيش الأمريكي سمح بمرور ما لا يقل عن 12 سفينة بعد فترة طويلة من التقييد المرتبط بالحرب.
كما أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية أن المجلس الأعلى للأمن القومي قرر إنشاء هيئة حكومية جديدة تتولى الإشراف على حركة العبور بالمضيق، مع إلزام السفن بالحصول على تراخيص عبور دون فرض رسوم خلال الستين يوما الأولى من تنفيذ التفاهم.
النفط يتراجع والانتقادات تتصاعد
وعلى المستوى الاقتصادي، سجلت الأسواق العالمية تراجعا جديدا في أسعار النفط لتقترب من مستويات ما قبل الحرب، وهو ما اعتبره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤشرا على نجاح الاتفاق. غير أن وسائل إعلام أمريكية عديدة انتقدت مضمون المذكرة، معتبرة أنها تمنح طهران مزايا اقتصادية مهمة دون إلزامها بتفكيك بنيتها التحتية النووية.
كما تنص المذكرة على التزام أمريكي بالتعاون مع الشركاء الإقليميين لإعداد خطة اقتصادية وتنموية لإيران قد تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار في حال التوصل إلى اتفاق نهائي.
تباين بين طهران وتل أبيب
وفي الوقت الذي وصف فيه الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان الاتفاق بأنه حدث تاريخي، معتبرا أن السلام لا يتحقق إلا في إطار الاحترام المتبادل، رأى رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف أن ما جرى يمثل هزيمة سياسية للولايات المتحدة.
أما في إسرائيل، فقد أكد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو أن الصراع لم ينته بعد، مشددا على أن القوات الإسرائيلية ستواصل وجودها في جنوب لبنان ما دامت الضرورات الأمنية قائمة. ومنذ الإعلان عن الاتفاق، واصلت إسرائيل تنفيذ ضربات داخل الأراضي اللبنانية، بينما أعلن حزب الله خوض اشتباكات مع قوات إسرائيلية جنوب البلاد، في حين وصف أمينه العام نعيم قاسم التفاهم الأمريكي الإيراني بأنه انتصار كبير لطهران ومحطة مفصلية ينبغي استثمارها للضغط من أجل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.


