لم تعد قضية المعارض الجزائري أمير بوخرص، المعروف باسم “أمير دي زاد“، تقتصر على مسارها القضائي، بعدما تحولت إلى أحد أبرز ملفات التوتر بين باريس والجزائر، في ظل انعكاساتها على التعاون الأمني والاستخباراتي الذي ظل، لسنوات، بمنأى نسبيا عن الأزمات السياسية والدبلوماسية بين البلدين.
وانطلقت القضية من تحقيقات فتحتها السلطات الفرنسية بشأن اختطاف بوخرص فوق التراب الفرنسي، قبل أن تتوسع تداعياتها عقب توقيف موظف قنصلي جزائري ووضعه رهن الاعتقال الاحتياطي للاشتباه في التورط في القضية، وهو ما فتح نقاشاً داخل الأوساط الفرنسية تجاوز تحديد المسؤوليات الجنائية إلى مستقبل التنسيق الأمني بين البلدين.
الثقة الاستخباراتية على المحك
وبحسب المعطيات المتداولة، لم يعد النقاش داخل دوائر القرار الفرنسية يقتصر على الجوانب القضائية، بل امتد إلى التساؤل بشأن الضمانات التي يقوم عليها تبادل المعلومات الأمنية الحساسة، في ظل اتهامات اعتبرت مرتبطة باحترام السيادة الفرنسية.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى أن التعاون الأمني بين باريس والجزائر حافظ، على امتداد سنوات، على حد أدنى من الاستمرارية حتى خلال فترات التوتر السياسي، استنادا إلى المصالح المشتركة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، غير أن قضية بوخرص دفعت إلى إعادة تقييم هذا التعاون بعدما أصبحت الثقة التي شكلت أساسه محل نقاش داخل المؤسسات الفرنسية.
حديث عن تقاطع مع قضية صحفي فرنسي
وزادت هذه التساؤلات بعد ما أوردته صحيفة “لوموند” الفرنسية بشأن وجود مؤشرات على تقاطع بين ملف الموظف القنصلي الجزائري المعتقل في فرنسا وقضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، المحتجز في الجزائر منذ ماي 2024.
وأشارت الصحيفة إلى أن المرونة التي أبدتها النيابة الوطنية الفرنسية المختصة بقضايا مكافحة الإرهاب في التعامل مع طلب الإفراج عن الموظف القنصلي تزامنت مع استمرار اتصالات سياسية غير معلنة بين باريس والجزائر.
ورغم غياب أي تأكيد رسمي من الحكومتين، فإن هذا التزامن أثار تساؤلات حول احتمال وجود مساعٍ دبلوماسية لربط الملفين في إطار تسوية أوسع للأزمة، وهو ما دفع هيئة الدفاع عن أمير بوخرص إلى التحذير من تحويل قضية موكلها إلى ورقة تفاوض سياسية قد تؤثر على استقلال القضاء.
تطورات قضائية مستمرة
وتعززت هذه التساؤلات بعدما كانت النيابة الفرنسية قد رفضت في مراحل سابقة جميع طلبات الإفراج عن الموظف القنصلي الجزائري، قبل أن تطلب لاحقاً الإفراج عنه مع إخضاعه للمراقبة القضائية استناداً إلى معطيات جديدة قدمها فريق الدفاع.
غير أن قاضي الحبس الاحتياطي رفض هذا الطلب، لتظل القضية معروضة أمام القضاء الفرنسي في انتظار الحسم النهائي فيها.
قضايا أخرى تعزز المخاوف
ولا تقتصر المخاوف الفرنسية، وفق التقرير، على قضية أمير بوخرص، بل تمتد إلى ملفات أخرى تتعلق بمعارضين جزائريين يقيمون خارج بلادهم.
ومن بين هذه الوقائع، تعرض الكاتب والمعارض الجزائري هشام عبود، المقيم في فرنسا، لعملية اختطاف بمدينة برشلونة الإسبانية في 17 أكتوبر 2024، مباشرة بعد وصوله إلى مطار “إيل برات” قادما من بروكسيل، حيث اعترضه مجهولون ملثمون أثناء تجوله في أحد الأحياء الراقية بحثاً عن عنوان، قبل أن يجبر على ركوب سيارة بالقوة أمام أنظار عدد من الشهود.
وانتهت الواقعة بتدخل عناصر الحرس المدني الإسباني، التي تمكنت من تحريره، إلا أن الحادثة أعادت، بحسب المعطيات الواردة، النقاش الأوروبي حول سلامة المعارضين الجزائريين المقيمين بالخارج وانعكاس ذلك على طبيعة التعاون الأمني مع الجزائر.
محاولة اغتيال أعادت الملف للواجهة
وبعد أشهر من حادثة برشلونة، عاد اسم هشام عبود إلى الواجهة مجددا بعدما وجه القضاء الفرنسي اتهامات رسمية إلى أربعة أشخاص وأمر بإيداعهم السجن الاحتياطي، للاشتباه في تورطهم في محاولة اغتياله بمدينة روبيه خلال فبراير 2025.
وتشير المعطيات التي نقلتها وسائل إعلام فرنسية آنذاك إلى أن ثلاثة من المشتبه فيهم يتابعون بتهم محاولة القتل في إطار عصابة منظمة مرتبطة بمشروع ذي طابع إرهابي، بينما يواجه المشتبه فيه الرابع تهماً تتعلق بالتواطؤ والانخراط في جمعية إجرامية ذات صبغة إرهابية.
وأضافت التحقيقات أن القضية انطلقت من بحث منفصل بشأن عملية سطو استهدفت متحفا قرب مدينة ليون، قبل أن تكشف المؤشرات عن مخطط لاستهداف هشام عبود، فيما مكنت التحريات التقنية، خاصة تحليل المراسلات عبر تطبيق “سيغنال”، من تحديد هوية المشتبه فيهم وتتبع تحركاتهم.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن تراكم هذه الملفات دفع دوائر القرار الفرنسية إلى التعامل مع قضيتي أمير بوخرص وهشام عبود باعتبارهما جزءا من سياق أوسع، ما أدى إلى إعادة تقييم التعاون الأمني مع الجزائر، وسط توجه نحو تشديد ضوابط تبادل المعلومات الاستخباراتية وإعطاء أولوية أكبر لحماية السيادة الفرنسية وأمن المعارضين المقيمين على أراضيها.


