في كل دول العالم، لم تعد المهرجانات مجرد منصات للغناء والفرجة، بل تحولت إلى أدوات اقتصادية واستثمارية تقاس نجاعتها بعدد الزوار، ونسبة ملء الفنادق، وحجم الإنفاق السياحي، ومداخيل المطاعم والمقاهي والأسواق، فضلا عن قدرتها على تسويق صورة المدينة وجذب الاستثمارات.
وفي مختلف التجارب الناجحة، لم تعد المهرجانات الكبرى مجرد تظاهرات فنية، بل أصبحت مشاريع اقتصادية متكاملة تبنى على استراتيجيات تسويقية مدروسة، تنطلق قبل أشهر من موعد انطلاقها، بهدف استقطاب الزوار من داخل البلاد وخارجها، وتحويل الحدث الثقافي إلى رافعة حقيقية تنعش السياحة، وتحرك عجلة التجارة، وتنعكس آثارها الإيجابية على مختلف القطاعات الاقتصادية.
غير أن مهرجان الناظور المتوسطي يبدو وكأنه يسير في اتجاه معاكس تماما، في تجربة يصعب تفسيرها بمنطق التدبير الحديث، حتى أصبح أقرب إلى حدث ينظم في دائرة مغلقة، منه إلى تظاهرة يفترض أن تخدم المدينة وساكنتها.
مهرجان بملايين الدراهم.. وإشعاع يقترب من الصفر
ورغم الميزانيات المهمة التي تخصص لهذا المهرجان من المال العام، عبر مساهمات ودعم مؤسسات رسمية، في مقدمتها “مارتشيكا ميد”، والمجلس الإقليمي، والجماعة الترابية، ورغم استقدام أسماء فنية معروفة، فإن الأثر الإشعاعي والاقتصادي للمهرجان يظل محدودا إلى درجة تثير الاستغراب.
فكيف يمكن لتظاهرة يفترض أنها تشكل واجهة للإقليم أن تمر في صمت، وأن يظل موعدها وبرنامجها وتفاصيلها مجهولة لدى جزء كبير من المواطنين، فضلا عن الزوار المحتملين من خارج المدينة؟
وإن أبسط قواعد التسويق تقتضي من الجهة المنظمة والشركة المكلفة بتنفيذ المهرجان أن تسبق الحدث بحملة تواصلية وإشهارية واسعة، تمتد لأسابيع أو حتى أشهر، عبر مختلف الوسائط الإعلامية والمنصات الرقمية، حتى يتحول إلى موعد ينتظره الجمهور ويخطط للسفر إلى المدينة من أجله، بما يحقق الإشعاع المنشود ويضمن أثرا اقتصاديا حقيقيا على مختلف القطاعات.
أما أن ينظم مهرجان بميزانيات عمومية كبيرة، ثم يحاط بكل هذا القدر من التكتم وضعف الترويج، فإن الأمر لا يخرج عن احتمالين، إما غياب واضح للرؤية والكفاءة في تدبير هذا الحدث، أو أن الهدف الحقيقي لم يكن يوما جعل الناظور وجهة ثقافية وسياحية، بل الاكتفاء بتنفيذ برنامج صرف الميزانيات دون اكتراث بالأثر التنموي.
أين ذهبت فلسفة الاستثمار الثقافي؟
وحين ترصد اعتمادات مالية مهمة للتعاقد مع فنانين يحظون بقاعدة جماهيرية واسعة، فإن المنطق الاقتصادي يقول إن الغاية ليست تنظيم حفلات فنية فقط، وإنما استثمار شعبية هؤلاء الفنانين لجذب الزوار، وتحريك الدورة الاقتصادية، وتحقيق مردودية تعود بالنفع على المدينة.
لكن ما يحدث في مهرجان الناظور المتوسطي يطرح مفارقة يصعب استيعابها، فالحملات الإشهارية تكاد تكون غائبة، والتسويق السياحي الرقمي لا يرقى إلى حجم الحدث، والتواصل المسبق يظل محدودا، وكأن المهرجان لا يرغب أصلا في استقطاب جمهور واسع، بل يكتفي بإقامة الحفلات ثم إسدال الستار عليها.
وهنا يصبح من المشروع أن يتساءل الرأي العام، كيف يمكن لحدث يمول من المال العام أن يدار بهذه السرية، دون خطة واضحة لتعظيم مردوده الاقتصادي والسياحي؟
أسئلة يفرضها المال العام
ويفتح هذا الواقع الباب أمام سلسلة من التساؤلات التي لا يمكن تجاوزها، فهل أصبح مهرجان الناظور المتوسطي مجرد واجهة لتصريف الاعتمادات المالية المخصصة له، دون تقييم حقيقي لما يحققه من أثر اقتصادي على الإقليم؟
وأين هي مؤشرات العائد على الاستثمار التي يفترض أن تبرر حجم الأموال العمومية التي تصرف سنويا على هذه التظاهرة؟ ومن هو المستفيد الفعلي من هذه الملايين إذا كانت الفنادق لا تعرف نسب إشغال استثنائية، والمطاعم لا تسجل انتعاشة غير عادية، وسائقو سيارات الأجرة والتجار لا يلمسون أثرا اقتصاديا ملموسا يوازي حجم الإنفاق؟
بل إن السؤال الأكثر حساسية يبقى قائما، هل ما زال الهدف من المهرجان خدمة التنمية المحلية، أم أنه تحول مع مرور السنوات إلى فضاء لتوزيع الامتيازات وإدارة العلاقات المغلقة والمجاملات السياسية، بعيدا عن أي رؤية تنموية حقيقية؟
الناظور تستحق مشروعا ثقافيا.. لا مهرجانا بلا أثر
ولا أحد يجادل في أهمية الثقافة والفن، ولا في الدور الذي يمكن أن تلعبه المهرجانات في تنشيط الاقتصاد المحلي، لكن نجاح أي مهرجان لا يقاس بعدد الفنانين الذين يعتلون المنصة، بل بما يتركه من أثر داخل المدينة بعد انتهاء آخر سهرة.
والناظور، بما تتوفر عليه من مؤهلات طبيعية وسياحية، وعلى رأسها بحيرة مارشيكا، وبموقعها المتوسطي، وبالجالية المغربية الكبيرة المنحدرة من الإقليم، تستحق مشروعا ثقافيا متكاملا يجعل منها وجهة سياحية وثقافية على مدار السنة، لا مجرد مسرح لحفل أو ليلتين تنطفئ أضواؤهما بمجرد إسدال الستار.
المدينة بين سندان التهميش الثقافي ومطرقة العبث المالي
إن المطلوب اليوم ليس التشكيك في أهمية الفعل الثقافي، ولا الدعوة إلى إلغاء المهرجانات، وإنما إخضاعها لمبادئ الحكامة الجيدة وربطها بمؤشرات دقيقة لقياس الأثر الاقتصادي والسياحي والاجتماعي. فالمال العام لا يصرف من أجل تنظيم السهرات فقط، بل لتحقيق قيمة مضافة تعود بالنفع على الساكنة والاقتصاد المحلي.
ومن هذا المنطلق، يصبح من حق المواطن أن يتساءل، ماذا حققت هذه الملايين للناظور؟ وكم زائرا استقطب المهرجان؟ وما حجم المداخيل التي ضخها في الاقتصاد المحلي؟ وما هي مؤشرات نجاحه الفعلية؟
أما الاستمرار في تنظيم مهرجان بتمويل عمومي واسع، دون استراتيجية تواصلية حقيقية، ودون أثر اقتصادي واضح، ودون مؤشرات قابلة للقياس، فإنه لا يخدم صورة الناظور، بل يكرس نموذجا لم يعد مقبولا في تدبير الشأن العام.
فالمدن تبنى بالرؤية، لا بالمناسبات العابرة، والمال العمومي لا ينبغي أن ينفق في الظل، بينما تبقى التنمية مجرد شعار يرفع مع كل دورة جديدة من مهرجان لا يشعر المواطن بعائده الحقيقي.
الحساب أولا.. ثم المهرجان
ولم يعد مقبولا أن تتفرج الجهات الرقابية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات، على هذا العبث المالي الممنهج، لأن الأموال التي تصرف على المهرجان المتوسطي بالناظور هي أموال شعبية تسحب من شرايين الصحة، التعليم، والبنيات التحتية، ويجب أن تخضع لرقابة صارمة تربط بشكل مباشر بين الميزانية الممنوحة والأثر الاقتصادي المحقق.
فإما أن يدار المهرجان المتوسطي بشفافية احترافية، وبحملات إشهارية وطنية ودولية تجلب السياح وتنعش فنادق ومطاعم المدينة، وإما أن يكف عن هذا العبث وتوجه هذه الملايين لتدعيم القطاعات الحيوية التي تئن تحت وطأة الحاجة. أما “المهرجانات السرية” بأموال علنية، فلن تنتج سوى مزيد من السخط والشبهات.


