حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تواجه السلطات الإسبانية معضلة متزايدة في التعامل مع ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين الموجودين في سبتة ومليلية المحتلتين، خصوصا مع ارتفاع الضغط على مرافق الاستقبال وتجدد المطالب الداعية إلى إعادتهم إلى المغرب، غير أن المسطرة القانونية المنظمة لهذا الملف تجعل تنفيذ عمليات الإعادة أكثر تعقيدا مما قد يبدو عليه الأمر.

وكشف القاضي الإسباني فرناندو غيرمان بورتيو، المنتمي إلى المنتدى القضائي المستقل، أن السلطات لا تستطيع اتخاذ قرار بإعادة قاصر إلى المغرب لمجرد تصريحه بأنه مغربي أو ثبوت حمله للجنسية المغربية، إذ تفرض التشريعات المعمول بها المرور عبر سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى ضمان حقوق الطفل وتحديد ما إذا كانت العودة تحقق مصلحته وتوفر له الحماية الضرورية.

من تحديد السن إلى البحث عن الأسرة

وتنطلق الإجراءات، بحسب بورتيو، من تحديد هوية الشخص والتأكد من كونه قاصرا بالفعل، وفي الحالات التي تثار فيها شكوك بشأن عمره يمكن للجهات المختصة الاستعانة بالفحوصات الطبية المعتمدة لتحديد ما إذا كان لم يبلغ سن 18 سنة، قبل الشروع في باقي مراحل المسطرة.

وبمجرد تأكيد صفة القاصر وإفادته بأنه يحمل الجنسية المغربية، يصبح التنسيق مع السلطات المغربية مرحلة أساسية، إذ يتعين على الجانب الإسباني طلب المعلومات المتعلقة بوضعه العائلي، والتحقق من إمكانية استقباله من طرف أسرته أو التكفل به من جانب المصالح الاجتماعية والجهات المختصة في المغرب.

ويستند هذا المسار إلى اتفاق التعاون الموقع بين المغرب وإسبانيا سنة 2007، الذي يؤطر جوانب من التعامل مع القاصرين غير المصحوبين، ويحدد آليات التنسيق المتعلقة بالتحقق من أوضاعهم وإمكانية إعادتهم وتوفير الرعاية لهم.

وأكد القاضي أن الجنسية وحدها لا تشكل أساسا كافيا لتنفيذ قرار الإعادة، فإذا لم تتوفر المعلومات الضرورية أو تعذر إيجاد جهة قادرة على رعاية القاصر في المغرب، أو لم تتم الموافقة على إعادته، يصبح لزاما على السلطات الإسبانية معالجة وضعيته من خلال المساطر الخاصة بالحماية والإقامة داخل التراب الإسباني.

قرار الإعادة يمر عبر مراحل متعددة

أما إذا جاء الرد المغربي إيجابيا وتأكدت إمكانية التكفل بالقاصر، فإن ذلك لا يعني انتهاء الإجراءات، إذ يتعين الاستماع إلى مصالح حماية القاصرين بالمدينة المعنية، فضلا عن تمكين الطفل نفسه من التعبير عن موقفه، قبل أن تتخذ مندوبية الحكومة القرار النهائي بشأن ملفه.

ولهذا السبب، شدد بورتيو على أن إعادة القاصرين ليست مجرد عملية حدودية تنتهي بتسليم الطفل إلى السلطات المغربية، وإنما مسطرة متكاملة قد تمتد لعدة أشهر، بالنظر إلى تعدد الجهات المتدخلة وضرورة التحقق من احترام مختلف الشروط القانونية والإنسانية.

ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر في سبتة، التي تواجه ظروفا استثنائية مرتبطة بوصول أعداد من المهاجرين والقاصرين، وما يترتب عن ذلك من ضغط على منظومة الاستقبال، غير أن القاضي الإسباني شدد على أن صعوبة الوضع لا تمنح السلطات الحق في اختصار الإجراءات أو تجاوز الضمانات المقررة للأطفال.

قضية 55 قاصرا تحذر من تكرار أخطاء الماضي

وتعود إلى الواجهة، في خضم هذا الجدل، واقعة إعادة 55 قاصرا من سبتة إلى المغرب في غشت 2021، بعدما تحولت العملية لاحقا إلى ملف قضائي انتهى بإدانة مسؤولتين سابقتين بالمدينة بعقوبة تسع سنوات من الحرمان من تولي المناصب العامة، بسبب قرارات اعتبرت مخالفة للقانون.

وتشكل هذه السابقة تحذيرا للسلطات الإسبانية من مغبة التعامل مع ضغط الهجرة بمنطق الإعادة السريعة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأطفال، إذ تظل كل حالة مرتبطة بوضعية فردية ينبغي فحصها بشكل مستقل، والتحقق من السن والهوية والظروف الأسرية وإمكانية توفير الرعاية المناسبة.

وبذلك، فإن النقاش المتصاعد بشأن إعادة القاصرين المغاربة من سبتة ومليلية لا يرتبط فقط بالتعاون بين الرباط ومدريد أو بالضغط الذي تواجهه مراكز الاستقبال، بل يضع السلطات الإسبانية أمام معادلة تجمع بين تدبير تدفقات الهجرة من جهة، واحترام الضمانات القانونية ومصلحة الطفل الفضلى من جهة أخرى.