حملت زيارة رئيس حكومة مالي عبد الله مايغا إلى الجزائر، يوم أمس الاثنين، مشهدا مختلفا تماما عن الأشهر الماضية، بعدما استقبل رسميا من طرف الوزير الأول سيفي غريب ثم الرئيس عبد المجيد تبون، في خطوة تعكس انتقال العلاقة بين البلدين من مرحلة التصعيد الحاد إلى محاولة فتح صفحة جديدة من الحوار.
وتأتي الزيارة بدعوة رسمية من الجانب الجزائري، فيما يحمل مايغا رسالة من رئيس المرحلة الانتقالية أسيمي غويتا إلى تبون، وهو ما يمنح التحرك بعدا سياسيا يتجاوز البروتوكول، خصوصا بعد فترة اتسمت بتبادل الاتهامات وسحب السفراء وإغلاق المجال الجوي وبلوغ الخلاف عتبة القضاء الدولي.
أزمة بدأت قبل المسيرة
وتعود جذور التوتر إلى ما قبل حادث إسقاط الطائرة المسيرة، إذ شكل قرار مالي في يناير 2024 إنهاء العمل باتفاق السلام والمصالحة الموقع بالجزائر سنة 2015 ضربة للدور التقليدي الذي لعبته الجزائر في الملف المالي، بعدما اعتبرت باماكو أن الاتفاق لم يعد صالحا للتطبيق.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت الفجوة بين الطرفين تتسع، خصوصا مع إصرار السلطات المالية على مقاربة أمنية أكثر تشددا في الشمال، في مقابل تمسك الجزائر برؤية مختلفة تستند إلى الوساطة والتسويات السياسية، قبل أن تتطور الخلافات إلى اتهامات مباشرة بالتدخل في الشؤون الداخلية.
حادثة مارس 2025 تفجر العلاقة
وفي أواخر مارس 2025، أعلنت الجزائر إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود، مؤكدة أنها دخلت مجالها الجوي، بينما ردت مالي بأن الحادث وقع داخل أراضيها، لتتحول الواقعة إلى مواجهة دبلوماسية واسعة.
وسحبت مالي والنيجر وبوركينا فاسو سفراءها من الجزائر، في خطوة حملت بعدا إقليميا واضحا بحكم انتماء الدول الثلاث إلى تحالف دول الساحل، بينما ردت الجزائر بإجراءات مقابلة، قبل أن يشمل التصعيد إغلاق المجال الجوي بين الجزائر ومالي.
حرب تصريحات غير مسبوقة
وبلغ التوتر مستوى غير مسبوق عندما انتقل الخطاب الرسمي من الخلاف السياسي إلى مهاجمة شرعية السلطة الحاكمة في مالي، إذ استخدم وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في شتنبر 2025 توصيفات قاسية في حديثه عن القيادة المالية، فيما واصلت الخارجية الجزائرية لاحقا انتقاد ما وصفته بالنظام الانقلابي.
وردت باماكو باتهامات لا تقل حدة، إذ اتهم مسؤولون ماليون الجزائر بدعم جماعات مسلحة وإرهابية في شمال البلاد، كما هاجم عبد الله مايغا الجزائر في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما جعل الأزمة تتجاوز الملف الحدودي إلى صراع مفتوح على النفوذ والرواية السياسية.
الخلاف يصل إلى محكمة العدل الدولية
ولم تتوقف المواجهة عند التصريحات، إذ دفعت مالي بملف إسقاط الطائرة المسيرة نحو محكمة العدل الدولية، مطالبة بفتح مسار قضائي دولي، بينما رفضت الجزائر الاتهامات وتمسكت بموقفها القائل إن الطائرة انتهكت مجالها الجوي.
غير أن المحكمة أوضحت لاحقا أن النظر في القضية يتطلب قبول الجزائر باختصاصها، وهو ما حال دون تحول الملف مباشرة إلى دعوى موضوعية كاملة، لكنه ظل مؤشرا على عمق الأزمة التي طبعت العلاقة.
زيارة لا تمحو الأزمة لكنها تفتح الباب
ولهذا، فإن زيارة مايغا إلى الجزائر لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات، لكنها تمثل أول اختبار حقيقي لإمكانية الانتقال من لغة الاتهامات إلى لغة التفاوض، خاصة أن البلدين يواجهان تحديات أمنية مشتركة في منطقة الساحل ولا يملكان ترف استمرار القطيعة لفترة طويلة.
ويبقى نجاح مسار التهدئة رهينا بقدرة الطرفين على معالجة الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها أمن الحدود، والجماعات المسلحة، ومستقبل الدور الجزائري في مالي، إضافة إلى العلاقة بين الجزائر وتحالف دول الساحل.


