حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

دفعت التحولات التي تعرفها التجارة العالمية والرسوم الجمركية التي تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فرضها على واردات عدد من الدول، كوريا الجنوبية إلى البحث بوتيرة أسرع عن أسواق وشركاء جدد، ليبرز المغرب ضمن الدول التي تراهن عليها سيول في استراتيجيتها الجديدة لتنويع منافذها التجارية.

وفي هذا الإطار، أكدت وزارة التجارة والصناعة الكورية الجنوبية دخولها في مفاوضات مع المغرب بشأن اتفاقية للتجارة الحرة، ضمن تحرك أوسع يستهدف تعزيز قدرة الشركات الكورية على الوصول إلى أسواق خارجية جديدة وتقليص المخاطر المرتبطة بالاضطرابات التجارية الدولية.

لماذا تراهن كوريا على المغرب؟

ويبدو أن الرهان الكوري على المملكة لا يرتبط بحجم السوق المغربية وحده، إذ نقلت صحيفة “ماني توداي” عن بارك غناو أون، مدير سياسات اتفاقيات التجارة بالوزارة، أن المفاوضات تشمل المغرب ومصر باعتبار البلدين يمتلكان موقعا استراتيجيا يجعلهما بوابتين للولوج إلى الأسواق الإفريقية.

ويتميز المغرب، من وجهة النظر الكورية، بعامل إضافي يتمثل في شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطه بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو ما يفتح أمام الشركات الكورية إمكانية دراسة الاستثمار والإنتاج داخل المملكة، واستخدامها قاعدة لتوجيه المنتجات نحو أسواق أوروبية وأمريكية وإفريقية.

وبذلك، يمكن لاتفاق للتجارة الحرة بين البلدين، في حال اكتمال المفاوضات والتوصل إليه، أن يتجاوز مسألة تخفيض الرسوم على المبادلات الثنائية ليشكل أساسا لاستثمارات كورية جديدة مرتبطة بالإنتاج والتصدير انطلاقا من المغرب.

22 سوقا وتكتلا على رادار سيول

ولا يشكل المغرب سوى جزء من تحرك تجاري واسع تقوده كوريا الجنوبية، إذ تعمل الحكومة حاليا على إطلاق أو استئناف مفاوضات مع سبع دول وتجمعات اقتصادية، من بينها المغرب ومصر والأرجنتين وأوروغواي والمكسيك وتنزانيا وتجمع “ميركوسور”.

وفتحت سيول كذلك مفاوضات جديدة مع تايلاند وباكستان، بينما تعمل على تطوير اتفاقياتها القائمة مع الصين والهند وسنغافورة و”آسيان”، في محاولة لإعادة رسم شبكة علاقاتها التجارية بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وفي الوقت نفسه، أنهت كوريا الجنوبية إبرام اتفاقيات مع تسع دول وتجمعات تنتظر دخولها حيز التنفيذ، من أبرزها غواتيمالا وماليزيا وجورجيا وبنغلادش ومجلس التعاون الخليجي، لترتفع بذلك دائرة الأسواق والتكتلات المستهدفة ضمن التحركات الكورية خلال العام الجاري إلى نحو 22.

مفاوضات متقدمة مع الصين والهند

وتواصل سيول بالتوازي العمل على تطوير علاقاتها مع أكبر الاقتصادات الآسيوية، إذ عقدت الجولة الخامسة عشرة من مفاوضات الخدمات والاستثمار مع الصين، فضلا عن الجولة الثانية عشرة من مفاوضات تطوير الاتفاقية التجارية مع الهند.

وتعتبر الحكومة الكورية أن مكاسب اتفاقيات التجارة الحرة تتجاوز إزالة أو تخفيض الحواجز الجمركية، إذ يمكن أن تسهم في تشجيع تدفقات الاستثمار وتعزيز التعاون الاقتصادي، فضلا عن توسيع الخيارات أمام المستهلكين وفتح أسواق إضافية أمام الشركات.

استراتيجية لما بعد 15 و20 عاما

وتنطلق هذه السياسة من قناعة داخل الحكومة الكورية بأن محدودية السوق الداخلية تفرض على اقتصاد البلاد البحث باستمرار عن منافذ خارجية، وعدم ربط مستقبله التجاري بعدد محدود من القوى الاقتصادية الكبرى.

ولهذا تراهن سيول أيضا على اقتصادات أصغر حجما في الوقت الراهن، انطلاقا من تصور طويل المدى يقوم على بناء الشراكات قبل تحول هذه الدول إلى أسواق كبيرة يصعب دخولها لاحقا.

ولخص بارك غناو أون هذه الرؤية بالتأكيد على أن دولة تبدو صغيرة اقتصاديا اليوم قد تتحول إلى سوق مهمة بعد 15 أو 20 عاما، معتبرا أن بناء العلاقة معها منذ الآن يمثل استثمارا استراتيجيا، لأن الانتظار إلى حين نموها قد يجعل تأسيس شراكة قوية معها أكثر صعوبة.

وبالنسبة إلى المغرب، تضع هذه الرؤية المملكة أمام فرصة لتوسيع علاقاتها الاقتصادية مع واحدة من أبرز القوى الصناعية الآسيوية، خاصة إذا انتقلت المفاوضات من مرحلة البحث في اتفاق للتجارة الحرة إلى شراكات استثمارية وإنتاجية تستفيد من الموقع المغربي وشبكة علاقاته التجارية الدولية.