حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

أعطى عبد المجيد تبون، رئيس الجزائر، انطلاقة تنفيذ عقوبة الإعدام بعد مرور 33 سنة، لم تكن فيها بلاده تنفذ أحكام الإعدام، وإن بقيت العقوبة حاضرة في القانون وفي أحكام المحاكم.

فمنذ 1993، لم ينفذ أي حكم بالإعدام في الجزائر، حتى بدا أن البلد الشقيق اختار، مثل دول أخرى، أن يبقي عقوبة الموت في النصوص ويبتعد عنها في الممارسة.

الجزائر تعيد الحياة إلى عقوبة الموت

وأفرج عبد المجيد تبون عن قرار قتل المحكومين بالإعدام في اجتماع مجلس الوزراء ليوم 6 شتنبر الجاري، حيث أمر بتعديل قانون العقوبات بما يسمح بتنفيذ الإعدام في حق مفتعلي ومدبري الحرائق عمدا، وكذلك مختطفي القاصرين والمنكلين بهم.

وفي الوقت الذي يسير العالم في اتجاه تضييق مجال هذه العقوبة ووقف تنفيذها تمهيدا لإلغائها. اختارت الجزائر أن تعيد إحياء هذه العقوبة رغم أنها مدركة لهذا المعطى، فهي طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يقصر الإعدام، بالنسبة إلى الدول التي لم تلغه، على “أشد الجرائم خطورة”.

وقد فسرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة هذه العبارة، في تعليقها العام رقم 36، وربطتها بالجرائم التي تنطوي على قتل عمد، بل ذكرت الاختطاف والجرائم الجنسية ضمن الجرائم التي لا تكفي، في حد ذاتها، لتبرير الإعدام إذا لم تؤد مباشرة وعن قصد إلى الوفاة.

دور المؤسسات والخبرة والتراكم في صناعة القرار

والأكثر إثارة أن الجزائر نفسها صوتت في دجنبر 2024 لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام. وفي التصويت نفسه، انتقل المغرب، الذي لم ينفذ بدوره حكما بالإعدام منذ 1993، ولأول مرة، إلى تأييد القرار. إلى هنا يمكن أن ينتهي نقاش الإعدام ويبدأ نقاش الدولة. فالسؤال ليس فقط لماذا الإعدام؟ وإنما: لماذا الآن؟ ولماذا هاتان الجريمتان تحديدا؟ وإذا كانت بشاعة الجريمة هي المعيار، فماذا عن القاتل المتسلسل؟ وماذا عن من يقتل أسرة كاملة أو أطفالا عمدا؟ وبأي ميزان قررت الدولة أن الحريق والاختطاف هما الباب الذي ستعود منه إلى عقوبة جمدتها ثلاثة وثلاثين عاما؟

هنا تصبح طريقة اتخاذ القرار أهم من القرار نفسه. الدولة لا تشرع وهي غاضبة. والسياسة الجنائية لا تبنى في أعقاب حادثة، مهما كانت فظيعة، وإنما على دراسة تطور الجريمة وتقييم العقوبات وفعاليتها وتناسبها. والأهم أنها تبنى داخل المؤسسات، لا باعتبار القانون جوابا سريعا عن غضب اجتماعي. كما أنه ليس في التجارب الدولية ما يسمح بالجزم بأن تنفيذ الإعدام يؤدي بذاته إلى خفض معدلات الجريمة. وهنا تتجاوز المسألة قانون العقوبات لتكشف طريقة في ممارسة الحكم. فحين تستطيع واقعة، مهما كانت خطيرة، أن تغير توجها استمر ثلاثة وثلاثين عاما، يصبح السؤال مشروعا حول دور ومكانة المؤسسات والخبرة والتراكم في صناعة القرار.

طريقة تدبير دولة

الدولة الحديثة لا تبدأ من الصفر مع كل أزمة. وقوتها في أن مؤسساتها تتذكر، وسياساتها تتراكم، وقراراتها تفسر، والقانون فيها أبطأ من الغضب لأنه يفترض أن يكون أعقل منه. أما أن نصوت في 2024 لصالح وقف التنفيذ، ثم نقرر في 2026 العودة إليه، ونختار لذلك جريمتين تحت ضغط أحداث الساعة، فالمشكلة لم تعد فقط في عقوبة الإعدام، بل في صورة الدولة التي يصنع بها القرار. وبين ما يقال وما لا يقال… قد يكون الإعدام هذه المرة مجرد عقوبة، لكنه كشف أكثر مما ينبغي عن طريقة تدبير دولة.