حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

فرضت القدرة الشرائية نفسها كواحدة من أكثر القضايا إحراجا للأحزاب خلال الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر، بعدما انتقل النقاش من استعراض الحصيلة والبرامج الكبرى إلى سؤال أكثر التصاقا بالحياة اليومية للمغاربة، ماذا تقترح الأحزاب فعليا لمواجهة الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة وتحسين دخل الأسر؟

ويبدو أن ثقل هذا الملف دفع عددا من الأحزاب إلى إدراج التزامات مالية واجتماعية مباشرة ضمن خطاباتها الانتخابية، من الرفع من قيمة الدعم الاجتماعي والمعاشات إلى تخفيض الضريبة على الدخل وتحمل جزء من فواتير الكهرباء. غير أن ارتفاع سقف الوعود بدأ، في المقابل، يفتح نقاشاً موازياً حول كلفتها ومصادر تمويلها وإمكانية تنفيذها بعد انتهاء الحملة الانتخابية.

لقجع: الحكومة أنفقت لكن الغلاء ابتلع الأثر

وفي قلب هذا النقاش، قدم فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، خلال تجمع انتخابي للحزب بإقليم تنغير يوم الأحد 13 شتنبر، قراءة لافتة لحصيلة السنوات الخمس الماضية، بعدما أقر بأن الحكومة بذلت مجهوداً مالياً مهماً لدعم القدرة الشرائية، لكن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة قلصا الأثر الذي كان يفترض أن يشعر به المواطن.

ويضع هذا الإقرار جزءا من الحصيلة الحكومية أمام مفارقة سياسية واضحة، ذلك أن حجم الإنفاق العمومي والبرامج الاجتماعية لا يكفي وحده لإقناع الأسر عندما تكون النتيجة التي تلمسها في نهاية الشهر مرتبطة بما تبقى من دخلها بعد أداء تكاليف الغذاء والسكن والنقل والطاقة وباقي النفقات الأساسية.

لقجع نفسه حاول نقل النقاش من الدفاع عن حصيلة الحكومة إلى تقديم وعود للمرحلة المقبلة، واضعا مواجهة الغلاء ضمن أولويات حزبه، ومتحدثا عن ضرورة وصول المواد الأساسية إلى المغاربة بأسعار معقولة، بل ومستعملاً تعبير إعادة “فرحة التسوق” إلى الأسر المغربية، في مؤشر على المكانة التي بات يحتلها ملف الأسعار داخل المنافسة الانتخابية.

من 500 إلى 1000 درهم.. “البام” يرفع سقف الوعود

وذهب حزب الأصالة والمعاصرة أبعد من التشخيص، عندما أعلن لقجع عن مقترح يقضي برفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر للأسر الأكثر حاجة من 500 إلى 1000 درهم شهرياً على الأقل، مع ربط الاستفادة بالدخل الحقيقي للأسرة، إلى جانب طرح حد أدنى لمعاش التقاعد لا يقل عن 3000 درهم شهرياً.

كما تحدث القيادي في “البام” عن تخفيض وتبسيط الضريبة على الدخل بهدف تحسين الأجور والقدرة على الإنفاق، فضلا عن مقترح يقضي بالتكفل باستهلاك الكهرباء بالنسبة إلى الأسر الفقيرة التي تقل فاتورتها عن 100 درهم. وهي إجراءات تجعل العرض الانتخابي للحزب مرتبطاً بصورة مباشرة بجيب المواطن، بدل الاقتصار على الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية العامة.

ولم تتوقف الوعود عند الدعم والدخل، إذ شملت كذلك تسريع إصلاح القطاع الصحي، ومواكبة الشباب في التكوين وإحداث المقاولات، ووضع تصور لمواجهة الجفاف، إلى جانب تطوير الطاقات المتجددة. وهكذا أصبح تحسين القدرة الشرائية مرتبطاً، في خطاب الحزب، بحزمة واسعة من التدخلات الاجتماعية والاقتصادية.

من سيدفع فاتورة الوعود؟

غير أن الانتقال من 500 إلى 1000 درهم في الدعم، وضمان معاش لا يقل عن 3000 درهم، وتخفيض الضريبة على الدخل، وتحمل فواتير الكهرباء لفئات من الأسر، يفتح مباشرة سؤال الكلفة المالية لهذه الالتزامات، خاصة أن توسيع الإنفاق الاجتماعي يقابله في بعض الحالات تقليص للموارد الجبائية أو إضافة نفقات جديدة إلى الميزانية.

وهنا يتحول سؤال التمويل إلى جزء أساسي من تقييم البرنامج الانتخابي، إذ لم يعد كافيا تحديد قيمة الزيادة أو الدعم، بل أصبح مطلوبا توضيح مصادر الأموال التي ستمول هذه الالتزامات، وعدد المستفيدين منها، وتأثيرها في المالية العمومية، ثم قدرتها على الاستمرار لسنوات دون المساس ببرامج واستثمارات عمومية أخرى.

ويزداد هذا السؤال أهمية لأن صاحب هذه الوعود يتولى حاليا حقيبة الميزانية، ما يجعل النقاش حول قابلية تمويل المقترحات أكثر حضورا، ويمنح المنافسين فرصة لمساءلة الحزب ليس فقط حول جاذبية وعوده، وإنما حول الحساب المالي الذي يقف وراءها وكيفية تحويلها إلى اعتمادات فعلية في قوانين المالية المقبلة.

لشكر يدخل على الخط: المال العام ليس ملكا للأحزاب

وعلى الضفة الأخرى من السجال، اختار إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مهاجمة الطريقة التي تقدم بها بعض مكونات الأغلبية حصيلة السنوات الماضية، معتبرا أن هناك خلطا بين ما تنجزه الدولة والحكومة بموارد عمومية وبين ما تحاول الأحزاب تقديمه باعتباره إنجازا خاصا بها.

وخلال تجمع انتخابي بمدينة طنجة، رفض لشكر تقديم برامج من قبيل الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم المباشر باعتبارها هبات حزبية، مشددا على أنها تمول من المال العام، الذي تتشكل موارده من الضرائب والمساهمات والاستثمارات، وبالتالي فإن الاستفادة منها حق يرتبط بالسياسات العمومية وليس منحة يقدمها حزب أو مسؤول للمواطنين.

ويضع هذا الطرح بدوره النقاش أمام إشكالية سياسية تتكرر بقوة خلال الحملات الانتخابية، وهي الحدود الفاصلة بين الحصيلة الحكومية والحصيلة الحزبية. فالأحزاب المشكلة للأغلبية تحتاج إلى الدفاع عن مشاركتها في الحكومة، لكنها تدخل في الوقت نفسه منافسة انتخابية بعضها ضد بعض، وهو ما يدفع كل مكون إلى محاولة إبراز حصته من الإنجازات والابتعاد عن الاختلالات التي عرفتها الولاية.

شركاء الحكومة يتنافسون على الحصيلة ويتبادلون الانتقادات

وانتقد لشكر ما اعتبره ميلاً لدى بعض الوزراء والمسؤولين إلى نسب النتائج الإيجابية في القطاعات التي يشرفون عليها إلى أحزابهم، مقابل تحميل الاختلالات للقطاعات التي يدبرها شركاؤهم، وهو ما يحول الحصيلة الحكومية المشتركة إلى موضوع تنافس بين مكونات التحالف نفسه مع اقتراب موعد صناديق الاقتراع.

وتزداد حدة هذا السجال عندما يتعلق الأمر بالقدرة الشرائية، لأن المواطن لا يفصل بالضرورة بين القطاعات الحكومية عند تقييم وضعه الاقتصادي. فبالنسبة إلى الأسرة، يبقى المعيار أكثر بساطة: مستوى الدخل، وثمن المواد الأساسية، وفاتورة الماء والكهرباء، وكلفة العلاج والتعليم والسكن، ومقدار ما تستطيع الاحتفاظ به من دخلها في نهاية الشهر.

ومن هذا المنطلق، تصبح الأرقام التي تقدمها الأحزاب حول حجم الدعم والإنفاق الاجتماعي معرضة للمقارنة مع واقع الأسعار، وهو ما يفسر لماذا تحول الغلاء إلى نقطة ضغط على خطاب الأغلبية، وفي الوقت نفسه إلى اختبار للمعارضة التي لا يكفيها انتقاد الحصيلة ما لم تقدم بديلاً واضحاً وقابلاً للتمويل والتنفيذ.

القدرة الشرائية تتحول إلى ساحة المعركة الانتخابية

ولم يحصر لشكر انتقاداته في الجانب الاجتماعي، بل وسعها لتشمل طريقة تقييم حصيلة قطاعات من بينها التعليم والسيادة المائية والطاقية، داعيا إلى اعتماد المؤشرات والتقارير بدل الاكتفاء بتقييم المسؤولين لعملهم. كما حذر من أن يتحول التنافس السياسي وتبادل الاتهامات إلى عنصر ينعكس على صورة المغرب وعلى ثقة المستثمرين في المؤسسات والقانون.

وبين خطاب لقجع الذي يَعِد بمضاعفة الحد الأدنى للدعم ورفع معاشات التقاعد وتخفيف أعباء الكهرباء، وخطاب لشكر الذي يعيد التذكير بأن البرامج الاجتماعية تمول من أموال المغاربة، تتضح طبيعة المعركة التي بدأت تفرض نفسها على الحملة: من يستطيع تقديم جواب أكثر إقناعاً عن سؤال القدرة الشرائية؟

فالناخب أمام عروض انتخابية تتنافس في الأرقام، بينما تبقى المحاسبة الحقيقية مرتبطة بمدى واقعية هذه الالتزامات ومصادر تمويلها. وإذا كانت الحكومة مطالبة بالدفاع عما أنفقته وما حققته خلال خمس سنوات، فإن المعارضة مطالبة بدورها بإثبات أن البدائل التي تطرحها ليست مجرد وعود إضافية يصعب تنفيذها.

وهكذا أصبح غلاء المعيشة ورقة تربك الجميع مع اقتراب 23 شتنبر، أحزاب الأغلبية تحاول تحويل حصيلتها إلى رصيد انتخابي رغم استمرار ضغط الأسعار، والمعارضة تسعى إلى تحميلها مسؤولية الوضع مع تقديم بدائلها، فيما تتسابق التنظيمات السياسية على رفع سقف الوعود الاجتماعية. وبين كل هذه الخطابات، سيظل السؤال الذي قد يحسم موقف جزء من الناخبين بسيطاً ومباشراً: من يستطيع فعلاً تحسين دخل الأسرة، ومن سيملك بعد الانتخابات المال والآليات لتنفيذ ما يعد به اليوم؟