في يوم سياسي استثنائي، عقدت أربعة أحزاب مغربية، أمس السبت، مجالسها الوطنية بشكل متزامن، في اجتماعات بدت مستعجلة بفعل تسارع مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، لكنها انتهت إلى مواقف مختلفة تعكس تباين مواقع الأحزاب وأوزانها وحساباتها بعد انتخابات 23 شتنبر 2026. ويتعلق الأمر بحزب الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال، والحركة الشعبية، التي وضعت مؤسساتها التقريرية أمام واحد من أهم القرارات السياسية للسنوات الخمس المقبلة، المشاركة في الحكومة، وشروطها، وموقع كل حزب داخل الأغلبية المرتقبة.
ورغم انعقاد المجالس الوطنية الأربعة في اليوم نفسه، فإن كل حزب دخل اجتماعه من موقع مختلف. فـ”البام”، المتصدر للانتخابات بـ97 مقعدا، يتحرك باعتباره الحزب الذي يقود عملية تشكيل الأغلبية، بينما حسم الاستقلال مبدئيا رغبته في المشاركة، وتمسك “الأحرار” بدوره بالعودة إلى الحكومة رغم تراجع نتائجه، في حين اختارت الحركة الشعبية التريث وإبقاء قرارها مفتوحا إلى حين تلقي عرض رسمي يمكن عرضه على مؤسسات الحزب.
“البام” يشكل لجنة حكمائه ويفوض لها المشاورات
في قاعة المؤتمرات بالصخيرات، اجتمع المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة من موقع يختلف عن بقية الأحزاب، باعتباره التنظيم المتصدر لانتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعدا، والمكلف عمليا بقيادة المشاورات المتعلقة بهندسة الأغلبية الحكومية الجديدة تحت قيادة فاطمة الزهراء المنصوري.
وفوض المجلس الوطني لجنة المشاورات، التي تضم إلى جانب المنصوري كلا من فوزي لقجع وأحمد أخشيشن وعبد اللطيف وهبي، بمواصلة المفاوضات مع مختلف الأحزاب السياسية، مانحا بذلك قيادة الحزب غطاء مؤسساتيا لمواصلة البحث عن الصيغة التي ستقوم عليها الأغلبية المقبلة.
غير أن اجتماع “البام” كشف في الوقت نفسه عن حساسية واحدة من أكثر أوراق المشاورات تعقيدا، والمتعلقة بمصير التجمع الوطني للأحرار. فقد عبرت أصوات من داخل المجلس الوطني عن رفضها عودة “الأحرار” إلى الحكومة كشريك في الأغلبية، في وقت أصبحت فيه طبيعة التحالفات المنتظرة إحدى القضايا التي ستحدد شكل الحكومة المقبلة وعدد مكوناتها.
“الأحرار” يتمسك بالحكومة رغم إشارات الرفض
وفي الرباط، كان التجمع الوطني للأحرار يعقد مجلسه الوطني في ظل مفارقة سياسية واضحة؛ فبينما ظهرت داخل “البام” أصوات تعارض مشاركته، اختار الحزب الذي حل ثانيا في الانتخابات عدم التوجه نحو المعارضة، وأعلن استعداده للمشاركة في الحكومة التي تقود المنصوري مشاورات تشكيلها.
وفوض المجلس الوطني لـ”الأحرار” رئيس الحزب محمد شوكي تدبير المشاركة وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية، في موقف يعني أن الحزب لم يغلق باب الحكومة، بل منح قيادته الضوء الأخضر لمواصلة التفاوض بشأن موقعه في التركيبة المقبلة، في انتظار ما ستسفر عنه المشاورات التي يقودها الحزب المتصدر للانتخابات.
ودافع “الأحرار”، في بيانه الصادر عقب المجلس الوطني، عن موقعه السياسي بعد الانتخابات، معتبرا أن نتائجه، رغم التراجع المسجل مقارنة بالاستحقاق السابق، تؤكد استمراره قوة سياسية داخل المشهد الحزبي، كما عبر عن اعتزازه بحصيلة الحكومة السابقة والإصلاحات التي شارك وزراؤه في تنفيذها.
وهنا يظهر أول تناقض واضح في إرهاصات تشكيل الأغلبية: حزب يعلن رسميا استعداده للعودة إلى الحكومة، مقابل أصوات داخل الحزب الذي يقود المشاورات لا تريد استمراره داخلها. وبين الموقفين ستحدد المفاوضات المقبلة ما إذا كان تشبث “الأحرار” بالمشاركة سيجد طريقه إلى الأغلبية أم سيدفع به ميزان التحالفات نحو المعارضة.
الاستقلال يحسم المشاركة وينتظر الوزن والبرنامج
أما حزب الاستقلال، فكان موقفه أكثر وضوحا من حيث المبدأ، بعدما صادق مجلسه الوطني على المشاركة في الحكومة المقبلة وفوض أمينه العام نزار بركة مواصلة المشاورات مع حزب الأصالة والمعاصرة، ليصبح “الميزان” بذلك من الأحزاب التي أعلنت صراحة رغبتها في الانتقال إلى المرحلة الحكومية الجديدة.
غير أن مجلس الاستقلال شهد بدوره لحظة سياسية مثيرة للجدل، بعدما أعلن بركة أمام الحاضرين معطيات تفيد برفض “البام” مشاركة “الأحرار”، وهو الإعلان الذي قوبل بالتصفيق والهتافات داخل القاعة، قبل أن يعود الأمين العام للحزب ويوضح أنه توصل بمعطيات غير دقيقة بشأن هذا الموقف.
وبعيدا عن هذه الواقعة، قدم بركة تصورا لمشاركة حزبه يقوم على تشكيل حكومة سياسية قوية ومنسجمة، ترتكز على أقطاب قطاعية متجانسة وقواعد واضحة للعمل الحكومي، مع التأكيد على ضرورة حضور التزامات البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال داخل البرنامج الحكومي المقبل.
وهنا تبدو ورقة “الميزان” واضحة: الحزب يقول نعم للمشاركة، لكنه يريد في المقابل معرفة طبيعة الحكومة التي سيدخلها، والبرنامج الذي ستشتغل عليه، والوزن الذي سيمنح له داخلها، بما يجعل المفاوضات المقبلة بالنسبة إليه تتجاوز مجرد الحضور في الأغلبية إلى شروط هذا الحضور ومضمونه.
أوزين لا يريد “السنبلة” لاعبا في الاحتياط
وعلى النقيض من الحسم الذي أظهره الاستقلال و”الأحرار”، اختارت الحركة الشعبية التعامل بحذر مع المشاورات. فقد أكد أمينها العام محمد أوزين أن حزبه لم يتلق، إلى حدود انعقاد مجلسه الوطني، أي عرض رسمي للمشاركة في الحكومة، رافضا بالتالي تقديم جواب نهائي عن سؤال لم يوضع، بحسب موقفه، بصورة رسمية أمام مؤسسات “السنبلة”.
وأوضح أوزين، خلال لقاء صحفي أعقب أشغال المجلس الوطني، أن الاجتماع الأول الذي جمعه بفاطمة الزهراء المنصوري كان لقاء بروتوكوليا جرى خلاله التداول في عدد من القضايا الوطنية والأوراش الكبرى، وليس جلسة للتفاوض بشأن الحقائب أو هندسة الأغلبية، مشيرا إلى أن النقاش الفعلي حول المشاركة يمكن أن يبدأ في لقاء ثان إذا تلقت الحركة دعوة جديدة في إطار المشاورات.
وتحدث أوزين أيضا عن وجود تقارب في المرجعيات بين الحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة، موضحا أن “البام” يتبنى الليبرالية الاجتماعية، بينما تطرح “السنبلة” مفهوم الليبرالية المواطنة، وهو تقارب يمكن أن يوفر أرضية للتفاهم السياسي، لكنه لا يعني، وفق موقفه، وجود اتفاق مسبق على المشاركة في الحكومة.
وبحسب مصادرنا، لا تريد الحركة الشعبية أن تتحول إلى مجرد “لاعب احتياط” يجري استدعاؤه في اللحظة الأخيرة إذا احتاج “البام” إلى مقاعد إضافية لاستكمال الأغلبية، وهو ما يفسر حرص قيادة الحزب على انتظار عرض واضح قبل الدخول في نقاش شروط المشاركة ومضمونها.
أربعة أحزاب وأربع حسابات لحكومة واحدة
وتكشف خلاصات المجالس الوطنية الأربعة أن تشكيل الحكومة المقبلة دخل مرحلة تتجاوز المجاملات السياسية الأولى إلى اختبار المصالح والبرامج والأوزان. فـ”البام” يريد الاحتفاظ بزمام المبادرة واختيار شركائه، والاستقلال حسم رغبته في المشاركة لكنه يربطها بالبرنامج والوزن، و”الأحرار” يرفض الانتقال مبكرا إلى المعارضة ويتمسك بمقعد داخل الأغلبية، بينما تنتظر الحركة الشعبية عرضا رسميا قبل أن تكشف أوراقها كاملة.
ولا تعني هذه المواقف أن شكل الحكومة أصبح محسوما، بل تكشف فقط نقطة الانطلاق لكل حزب في المفاوضات. وبين عدد المقاعد والبرامج الانتخابية وحجم الحقائب والتوازنات السياسية، ستحدد الجولات المقبلة من المشاورات من سيجلس فعليا إلى جانب المنصوري داخل الحكومة، ومن سيجد نفسه في المعارضة لخمس سنوات مقبلة.


